جنود من حديد – عمل تركيبي وكتاب للفنانة آلاء يونس

لطالما عشنا في العالم العربي على أمجاد وهزائم آبائنا. النكبة، النكسة، حرب العراق والكويت، حرب العراق وإيران، الاجتياح الإسرائيلي للبنان والقائمة تطول. قصص عن أبطال، خونة، معتدين ولاجئين اعتدنا على سماعها في حضن الجدة. جاء الربيع العربي لينتزعنا من موقعنا المريح هذا ويضعنا وجهاً لوجه مع فوهة بندقية صديقة هذه المرة. لم يعد بسطار الجندي مجرد قصة، ووجد الكثير من الشباب العربي نفسه في مواجهة صعبة مع نفسه أولاً قبل خصمه أياً كان تعريفه له. هل يسعى للثورة أم الحفاظ على الاستقرار؟ هل يحمل السلاح أم ينزع إلى السلمية؟ هل يبقى أم يهرب؟ كما ­وجد جيل حرب الأيام الستة نفسه في زمن آخر، اختلفت نظرته للشهادة والكفاح المسلح.

Untitled

جاء عمل “جنود من حديد” للفنانة الأردنية آلاء يونس ليسلط الضوء على هذه الأسئلة الحرجة وعلى تأثير الوجود العسكري على حياة المدنيين من خلال مجموعة شهادات من أناس من مختلف أنحاء العالم عايشو العسكرة بطريقة أو أخرى. إلا أن موضوع العسكرة في العالم العربي يختلف عنه في الخارج، فارتباط العسكرة الوثيق في معظم بلدان العالم العربي بالسياسة الداخلية والكم الهائل من الخطوط الحمراء التي أثقلته في ظل الأنظمة الديكتاتورية العربية جعل منه موضوعاً حساساً طرحه أشبه بالرقص على الحبل. هو موضوع يفضّل العامة من العرب الذين يعيشون في الداخل تجنبه، وأولئك الذين يتطرقون له غالباً ما يطرحونه محمّلاً بأيدولوجيا المقاومة ضد العدو الخارجي، غالباً الإسرائيلي منه، ويتجنبون الحديث عن تأثير المؤسسة العسكرية على الحياة اليومية للمواطن العربي. ما يميز عمل يونس هو مقاربتها لموضوع العسكرة من منظور ذاتي بحت بعيد تماماً عن المواقف الأيديولوجية والأفكار المسبقة. لا مكان في عملها  للسياسة والرموز الوطنية بل هو مجموعة  قصص وأعمال فنية شخصية جداً تحكي عن العلاقة بين الفرد والعسكرة والصراع الداخلي لأناس عاديين اختاروا العسكرة أو وجدوا أنفسهم في خضمها دون خيار. لهذا فالعمل لا يطرح أية استنتاجات وأكثر نهايات قصصه مفتوحة فهو دعوة للتفكير ومساءلة الذات.

“الجنود في هذا الكتاب هم أناس طيبون،” قالت يونس. “هذا العمل ليس عن بطل، أو شخص أو فئة معينة، بل هو عن العسكرة بشكل عام.”

نقابل بين صفحات كتاب يونس سائحاً إسبانياً إتهم من أحد العامة بالجاسوسية في البقاع، وآخر مصرياً وجد نفسه فجأة مضطراً لحماية حيِّه في غمار الفوضى الأمنية التي واكبت إسقاط نظام مبارك، أعضاء منتدى هواة مفتوح على الإنترنت يخططون لاجتياح وهمي، ولاعب درامز خدم العسكرية في فصيل التسلية في الجيش التركي وكثر آخرون.

Untitled

تتنوع طرق طرح هذه القصص بتنوع أبطالها وتختلف باختلافهم إذ يضم العمل محادثات تشات، مقالات، رسائل، و تعليقات من منتدى مفتوح حول العسكرة إضافة إلى أعمال فوتوغراف ولوحات ومقاطع فيديو وكاتالوغات لألعاب عسكرية عرضتها يونس في ترينالي نيوميوزيوم بنيويورك 2012 وبينالي غوانغجو 2012 في كوريا الجنوبية وطبعت، بتمويل جزئي من بينالي غوانغجو، جزءاً منها في كتاب من 280 صفحة ذي تصميم بيوريتاني وألوان باهته تعكس بهتان حياة العسكر.

حسب يونس، هي لم تبحث عن أشخاص أو قصص لتعرضها في “جنود من حديد”، بل كانت الشخوص والقصص هي من تجدها.

“المشاريع قدَّمت نفسها بنفسها. لم أبحث عن قصص لعملي فأصحابها هم من جاؤوا إليَّ ورووا قصتهم إما بمحض الصدفة خلال حديث أو بعد أن ذكرت مشروعي عن الجنود،” قالت يونس. “كما لم أختر الشكل فهم عبروا عن أنفسهم كل بوسيلته.”

نتيجة لذلك، يشمل العمل نصوصاً وأعمالاً فنية لكتاب وفنانين مهنيين كالكاتبة الفلسطينية عدنية شبلي، المخرج الياباني كوجو واكاماتسو، والفنان التشكيلي الكولومبي نيكولاس باريس إضافة إلى حوارات وشهادات لأشخاص عاشو العسكرة إلا أنهم لا يعملون في مجال الإعلام والفن مما جعل الأعمال المنشورة متفاوتة في مستواها وقدرتها على جذب القارئ/المشاهد وإن كانت جميعاً تقدم نظرة متفردة لتجربة العسكرة.

Untitled

مشروع مستمر 

رغم تزامن العمل مع الربيع العربي، إلا أنه لم يكن من وحيه. “جنود من حديد” هو جزء من مشروع مستمر عن العسكرة بدأته يونس عام 2010 عندما شاهدت تمثالاً مصغّراً من البلاستيك لجندي مرمي على الأرض بين النفايات. رثت الفنانة لحال الجندي اللعبة فأخذته ونظّفته. “ذكّرني حاله بحال الجنود في الحرب وأثناء الخدمة العسكرية،” قالت يونس التي ازداد فضولها أكثر نحو العسكرة إثر زيارتها اللاحقة لمتحف الألعاب في زيوريخ حيث شاهدت مجموعات كبيرة من التماثيل المصغّرة لجنود مصنوعين من حديد.

أكثر ما لفت نظر يونس في متحف زيوريخ وسلسة المعارض والمتاحف الحربية ومتاحف الألعاب الأخرى التي باتت زيارتها هاجساً بالنسبة لها هو تمثال مصغّر لجنديين يسند أحدهما الآخر. “أثارت العلاقة بين الجنديين فضولي بشدة. هل هما متساندان من باب التضامن؟” تساءلت يونس.

كما لفت نظرها عدم وجود تماثيل مصغـّرة حديدية لجيوش عربية أو حتى غربية معاصرة في أي من هذه المتاحف باستثناء بعض الجيوش المنتقاة كالجيش الأحمر أو الجيش الأمريكي بالعراق. حسب يونس، معظم مصغّرات المنطقة العربية كانت عائدة لزمن الاستعمار أو كانت مجرد أشخاص يرتدون لباساً تقليدياً.

“لم أجد أي تمثال مصغّر للجيوش العربية المعاصرة. وجدت بعض القطع البلاستيكية أو المصنوعة من البورسلان لكن لم أجد أياً من الحديد، لذلك أردت صناعة واحد،” قالت يونس بصوت هادئ مليء بالعزم. وفعلت. صنعت يونس 2500 جندياً من حديد صناعة يدوية بمساعدة مجموعة صغيرة من الحرفيين وبتمويل من أشغال داخلية بيروت لتعرضهم في بيروت في عمل تركيب باسم “عسكر من تنك” عام 2010. كما صنعت 10,000 جندي حديدي آخر لاحقاً بتمويل من بينالي اسطنبول حيث عُرضت المجموعة الكاملة للجنود عام 2011. علم صغير على أكتاف الجنود والكاموفلاج (نقش الثياب العسكرية الخضراء المرقطة) الذي يرتدونه أشار لجيش أي دولة ينتمون كما عكس عددهم العدد الأصلي للجيش الحقيقي عام 2010 بنسبة 1/200. إختارت يونس لتضم في عملها الجيوش التسعة التي خاضت حروباً في العصر الحديث أدت إلى إعادة تشكيل هذه الدول وهي جيوش مصر، العراق، سوريا، لبنان، فلسطين، الأردن، إسرائيل، إيران وتركيا.

Untitled

على الرغم من الجهد الكبير الذي تطلّبه إشراف يونس على صناعة وطلاء كل فرد من أفراد جيوشها التسعة، إلا أن الجزء الأصعب، حسب يونس، كان نقل الجيوش هذه لصالات العرض. فسريعاً ما اكتشفت يونس أن نقل جيوش الحديد بوزنهم الثقيل وعددهم الكبير وبأقل خسائر ممكنة في صفوف الجنود ليس بالمهمة السهلة ويتطلب إستراتيجية عمل دقيقة.

“كان من الصعب نقل الجنود إلى الصالة في الوقت المطلوب لصعوبة تحريكهم نظراً لثقلهم. دفعني هذا للتفكير بدور قائد الكتيبة أو الجيش وأهمية إتخاذه للقرار الصحيح بشأن توقيت وكيفية نقل كتائبه. هل يضحي ببعضهم لتحقيق الهدف من العملية أم يضع سلامتهم في المرتبة الأولى؟” قالت يونس. “بمجرد صناعتنا للجنود بات علينا كفريق الفنانين العاملين معي التفكير إستراتيجياً للانتهاء من تلوين وإعداد ال 10000 مصغر مما جعلنا أكثر صرامة اتجاه أنفسنا فغياب أحدهم ليوم واحد يعني تأخر وصول الجيش إلى صالة العرض.”

إطلاع يونس على الجانب النفسي لإدارة الجيوش شكّل نقلة (تعمق) في نظرتها لموضوع العسكرة، حيث توجّه فضولها في  المراحل الأخيرة من المشروع من العسكرة والتجند ضمن المؤسسة العسكرية إلى العسكرة كحالة خارج النطاق المؤسساتي. باتت أكثر إهتماماً بالأناس الذين يعيشون على هامش الحرب والتسلح والعسكرة ويعيشون آثارها دون أن يشكلوا بالضرورة جزءاً منها فكان أن ولد مشروع جنود من حديد.

لمعرفة المزيد عن الفنانة يمكنك زيارة موقع آلاء يونس الإلكتروني.

 يونس تركز على أنه عمل جماعي.

 *    *   * 

شرح عن بعض الأعمال التي عرضت في “جنود من حديد” – كوريا الجنوبية:

بدون عنوان

تم تصميم الكاموفلاج (نقش الثياب العسكرية الخضراء المرقطة) لحماية الجنود والمركبات العسكرية من خلال دمجهم بالبيئة الخضراء المحيطة وجعلهم بالتالي هدفاً يصعب رؤيته.  لذلك لكل جيش رسمي نقش كاموفلاج موحّد خاص به. لفت نظر يونس عند مشاهدتها لمقابلة تلفزيونية مع المحاربين الليبين الأربعة الذين قتلوا القذافي تنوّع نقوش الكاموفلاج التي كانوا يرتدونها والتي تعكس تعدد الصفقات العسكرية، وجهات الدعم العسكري لهم كجيش غير نظامي.

انطلاقاً من المقابلة، جمعت يونس صوراً من على الإنترنت للمحاربين الليبيين، وحضّرت نسخاً كربونية عنها خططت فيها الهيكل العام لأجساد المحاربين فقط. تركت الهياكل الفارغة للمحاربين بالأبيض والأسود ولم تملء وتلوِّن إلا الأقسام التي يظهر فيها الكاموفلاج، مسلّطة بذلك الضوء على التنوّع  الكبير في كاموفلاجات القبّعات والبناطيل والسترات ما بين البريطاني والأمريكي والإيطالي وغيره. والمواقف السريالية فاشن شو، درامز والتانيين بطخوا.

فؤاد الخوري، أطلنتس 1982

صور فوتوغرافية

نشرت يونس صوراً التقطها المخرج والمصور اللبناني فؤاد الخوري أيام 30 و31 أغسطس و1 سبتمبر 1982 خلال رحلة ياسر عرفات من بيروت إلى أثينا على متن سفينة الأطلنتس التي أرسلها له رئيس الوزراء اليوناني السابق أندرياس باباندرو. رغم الضغوط السياسية التي رافقت الرحلة، بدت في الصور وكأنها رحلة بحرية عائلية لعرفات وعوائل رفاقه المقرّبين. أرادت يونس من خلال نشر الصور حث الزوار على تغطية عرفات بأصابعهم لمشاهدة البقية وتسليط الضوء على الجنود المجهولين ورؤية هؤلاء المقاتلين في حضرة القائد وعدم وجوده.

عمران قريشي، تنوير معتدل (تفصيل)، 2009

ألوان مائية وأوراق تذهيب على ورق الوصلي، 59 X 51 سم

تعكس لوحات الفنان باكستاني عمران قريشي تأثير ربط الإرهاب بالإسلام بعد أحداث 11 سبتمبر على شعبه فيعبّر في أعماله عن الصور المنمطة التي جعلت من المظاهر التقليدية في بلده كالذقن والزيِّ الباكستاني التقليدي، وتحريم الموسيقا رمزاً للإرهاب. رسم قريشي باكستانيين بلباس محافظ تقليدي في وضعيات حياتية عادية ولون إحدى القطع التي يرتدونها بألوان الكاموفلاج. 

 

نص عن العسكرة للكاتب الإسباني ماريو كويستا هيرناندو

هذا النص للكاتب الإسباني ماريو كويستا هيرناندو عن العسكرة نُشر في كتاب “جنود من حديد” الذي طبعته الفنانة الأردنية آلاء يونس في إطار عملها التركيبي “جنود من حديد” الذي يتناول العسكرة موضوعاً له وتم عرضه في بينالي غوانغجو 2012 في كوريا الجنوبية. قمت بترجمة النص عن الإسبانية. 

النص هو جزء من مذكراتي التي كتبتها خلال زيارة بقصد المتعة إلى لبنان. لذلك، كل ما ورد فيه حقيقي.

لا تعود هذه الصورة لرحلة الكاتب، وإنما تم التقاطها في رحلة منفصلة من قبل المصورة جولي

لا تعود هذه الصورة لرحلة الكاتب، وإنما تم التقاطها في رحلة منفصلة من قبل المصورة جولي

23 سبتمبر 2011

هذا الصباح كان مزاجي معكّراً. نسيت شحن بطارية الكاميرا. اليوم ذاهب إلى بعلبك بآثارها الرومانية المهيبة، ولن أستطيع التقاط حتى صورة واحدة للذكرى.

فضلاً عن آثارها، تشتهر بعلبك في الشرق الأوسط بموردين هما محل تقدير جزء من السكان: النبيذ وحزب الله.

لا يمكنني التبجح بأن تناول نبيذ البقاع يخلّف في فمي انطباع نكهة البلوط، لأنني أدخن منذ إقامتي في لبنان علبة سجائر جيتان يومياً والانطباع الوحيد الذي يخلّفه كل ما أتناوله هو نكهة مِنْفَضَة. لكن يبدو أن الخمور هنا أكثر من صافية. عن حزب الله لا أعلم إلا ما يرويه الصحفيون الإسبان، الذي هو عبارة عن خليط مشوش من الألقاب التي تتراوح ما بين إرهابيين، وبرلمانيين، ومقاومين ضد الإحتلال الإسرائيلي. بما أن حزب الله نشأ في وادي البقاع، بدا لي أن بعلبك قد تروي فضولي بعض الشيء حول هذا الحزب – المليشيا.

ترجّلت من السرفيس عند بوابة الآثار الهائلة. لفت انتباهي عدم وجود أي ملصق يحمل سحنة نصرالله أو أي من مقاتلي المليشيا. جرت العادة في المدن اللبنانية الأخرى على أن تغطي وجوه الشهداء واجهات المباني. كان لدي إحساس بأن هذا الغياب للمصلقات هو إتفاق ضمني تكتيكي لعدم ترويع السيّاح. تأكد احساسي فور مغادرتي للشوارع المجاورة بحثاً عن مكان أنيس لتناول وجبة الطعام. على الفور ازدانت الجدران بملصقات تحمل وجوه سياسيين كبار في السن وجنود شباب.

  لا تعود هذه الصورة لرحلة الكاتب، وإنما تم التقاطها في رحلة منفصلة من قبل المصورة بويا

لا تعود هذه الصورة لرحلة الكاتب، وإنما تم التقاطها في رحلة منفصلة من قبل المصورة بويا

لآثار بعلبك مقاس مذهل، بأروقتها اللانهائية وأعمدتها التي تطاول السحاب. هي عبارة عن هيكل روماني بُنيَ على أنقاض معبد يوناني شيّده اليخاندرو ماغنو للرب هيليوس، الذي بدوره أزاح الرب بعل معبود السكان المحليين. على أطلال الهيكل الروماني رُفِعَت لاحقاً بازيليكا مسيحية وعلى أطلال البازيليكا جامع أموي. كل امبراطورية تبجّحت بعظمتها على رفات الآلهة التي غزتها. من المنطقي أن ينتصب اليوم في الموقع مسجد شيعي.

المسجد لم يكن كبيراً، إلا أن مناراته تبلغ من الحجم ما يوحي بأنها جزء من مسجد أكبر. ازدانت واجهة المسجد ذات لون القشدة الناصع بقطع خزفية تزهو ألوانها وكأنها صُبغت للتو. طبعاً زبدة المكان كانت في الداخل حيث عكست قطع المرايا البالغة الصغر الضوء على شكل خيوط مشعّة تعطيك الإحساس بحضرة الله.  حبيبتي، وهي فلسطينية، قارنت بين أسبوع الآلام الإسباني وعاشوراء لتشرح لي سبب ميلي للشيعية. حسب رأيها، الإسبان من المسيحين هم كالشيعة من الإسلام: دراميون.

في المسجد أيضاً مساحة مفتوحة على الهواء الطلق، حيث تُباع المرطبات وتوجد مصطبات يمكن الجلوس عليها. على إحداها جلس شاب دون الثلاثين من العمر وحاول عقد رباطات حذائه. أقول أنه حاول لأن كرشه منعه من أن يطول قدميه. بصعوبة بالغة، مدّ ساعده حتى استطاع ملامسة نعليه بأطراف أصابعه. تصبّب الشاب عرقاً من شدة الحر والجهد الذي بذله، وزحلت نظاراته تحت ثقل عدساتها الأشبه بكعب كأس على طول أنفه حتى شارفت على السقوط. عندها، قفز للخلف تاركاً عقدة رباطاته رخوة. بدا لي أنه من الممكن أن نصبح أصدقاء.

ابتعت عصير ليمون وجلست إلى جانبه. الشاب كان مثالاً للشيعي الملتزم بدينه، على الأقل من ناحية مظهره الخارجي. فشعره القصير المهندم، ولحيته المثلثة، وقميصه المدكوك بعناية داخل بنطاله لا يتركون مجالاً للشك. سلَّم علي بلطف شديد وهو يلتقط أنفاسه بعد عناء عقد رباطات حذائه.

  لا تعود هذه الصورة لرحلة الكاتب، وإنما تم التقاطها في رحلة منفصلة من قبل المصورة بويا

لا تعود هذه الصورة لرحلة الكاتب، وإنما تم التقاطها في رحلة منفصلة من قبل المصورة بويا

بدا لي مبتهجاً بالإجابة على أسئلتي حول المسجد. لفت انتباهي إلى شجرة نمت في منتصف المصلى. “عُمر هذه الشجرة آلاف السنين، وما كانت لتُعَمِّرَ حتى الآن لولا بركات الله،” قال لي شارحاً. سألته عن أعمدة السقالة، فوضّح لي أنهم يبنون مدرسة لتعليم القرآن ومراكز خدمات أخرى. دخل المتعبدون من حولنا، بعضهم للصلاة و آخرون للاستمتاع بالمرطبات في الظل المعطر بأريج الحديقة.

كان حديثنا ودّياً للغاية. بدا لي أن بيننا من الحميمية ما يكفي لأسأله عن العلاقة بين حزب الله والسكان المحليين. كنت على وشك سؤاله عندما بادرني بالاستفسار:

– هل تحب إسرائيل؟

– لا – كان جوابي تلقائياً، دون أن اتردد للحظة.

فجأة، تَغَيَّرَ أسلوب الشاب وأمعن فِيَّ النظر بعينيه الأشبه بالعراوي. شعرت بالفزع، مجرد سؤاله كان خطراً.

– هنا في لبنان لا تحب إسرائيل، لكن عندما تعود إلى إسبانيا تحبها.

– لا – أجبته بنبرة حازمة. إصراره زاد من هلعي فمن الممكن أن يكون الشاب من مقاتلي ميليشيا حزب الله، وربما أثرت شكوكه عن غير قصد.

– ماذا تعمل في إسبانيا؟

– أنا كاتب هزلي. أكتب برامج كوميدية للتلفزيون.

لاذ الشاب بالصمت لبضعة ثواني. رفع نظاراته ليتفحصني بشكل أفضل. تَلَفَتُّ حولي لالتقاط نظرات الناس، خوفاً من أن يفسّر أحدهم حديثنا بطريقة خاطئة. أردت المغادرة، لكن خشيت أن فعلي ذلك سيثير مخيلته أكثر.

– أملك محل كمبيوترات – قال مُغيّراً وضعية كرشه.

  لا تعود هذه الصورة لرحلة الكاتب، وإنما تم التقاطها في رحلة منفصلة من قبل المصورة بويا

لا تعود هذه الصورة لرحلة الكاتب، وإنما تم التقاطها في رحلة منفصلة من قبل المصورة بويا

حتى لو ظننت للحظة أنه من الممكن أن يكون من مقاتلي ميليشيا حزب الله، مقاتل ليس من الذكاء بما فيه الكفاية حتى لاستجواب جواسيس مزعومين، تأكيده بدد كل شكوكي. كان مهندس معلوماتية، وليس بمنظمة واجهة. التدريب الوحيد الذي يمكن أن يكون قد تلقّاه في إيران هو حول كيفية استخدام برنامج مايكروسوفت أوفيس وبناء صفحات إلكترونية. فجأة، وبذات السرعة التي إتخذ بها موقفاً عدائياً مني، استعاد نبرته اللطيفة. في هذه اللحظة تحديداً تملّكني الغضب، لأنني ظننت بأنه عرّضني لهذا الموقف المزعج فقط كي يستمتع بلعب دور الشاب الحاذق الذي كشف جاسوساً.

–  الكثير من الناس يأتون إلى بعلبك للحصول على معلومات عن حزب الله – شرح لي مع ابتسامة. بفضل ذلك قصف الطيران الإسرائيلي وادي البقاع عام 2006. إضطر السكان للجوء إلى الجبال. مات الكثيرون، كان أمراً رهيباً.

لاحقاً وصف لي السعادة التي زحف بها الشباب من البقاع إلى جنوب البلاد للالتحاق بالمقاومة*. آلاف الشبّان غادروا عوائلهم حاملين حياتهم على كفوفهم وجاهزين للتضحية بها للذود عن بلادهم. من ماتوا أصبحوا شهداء، “هل شاهدت الملصقات في الشوارع؟” ومن يعودون يصبحون أبطالاً. “في بعلبك، الكل يحب حزب الله،” قال بتأثر.

في ظروف أخرى كنت ساستمتع كثيراً بهذه المحادثة فقد كانت، نوعاً ما، إحدى أسباب زيارتي لبعلبك. إلا أنني كنت مازلت ساخطاً بسبب العرض السابق الذي قدّمه. أثار لُطْفُهُ ريبتي، فقد تكون هذه مجرد إستراتيجية من دليل “أتقن فن الإستجواب خلال عشرة أيام” الإلكتروني، قسم “إكسب ثقته.”

اقتنصت فرصة كَفِّهِ عن اتهامي بالجاسوسية لاستودعه. دعاني لشرب كوب من الشاي في منزله، لكن جُلّ أمنياتي كان عدم رؤيته مجدداً. عدت إلى موقع الآثار وبعد عشرة دقائق ركبت السرفيس المتوجّه إلى بيروت.

لم نكن قد غادرنا المدينة بعد عندما توقفت العربة ليصعد راكب جديد. أنا كنت قد غفوت قليلاً سانداً رأسي على الزجاج. شاهدت، ما بين النوم واليقظة، مهندس المعلوماتية وهو يصعد ليجلس بجانبي. “شو دبقة!” قلت بصوت عالي واثقاً بأن لا أحد من الركاب يتكلم الإسبانية.

لسوء حظي، كان السرفيس يمر من ضيعته. عاد لدعوتي لزيارة محله. “نحن في البقاع مضيافون، لسنا كالبيروتيين الذين همهم الوحيد جمع المال.” استقمت في جلستي دون حماسة معيراً إياه بعضاً من اهتمامي من باب الذوق حتى اللحظة التي قال فيها:

– كل مخابرات العالم تتوافد إلى بعلبك، لكن هذا أمر طبيعي فهذا عملهم. الكي جي بي، السي آي إي، الموساد، كلهم يأتون إلى هنا متخفّين، لكنني لا أجد ذلك أمراً سيئاً، فهذه مقتضيات العمل. هل تحب المخابرات؟

– لا – أجبته بنبرة حاسمة لأوضّح له أن محادثتنا قد انتهت.

تابع الشاب حديثه عن المخابرات وأنا ركّزت نظري على النافذة بشكل استعراضي إلا أنه لم يفهم الرسالة.  “اتفهّمهم تماماً، فهم يقومون بما يفرضه عليهم عملهم.” شدّد على ذلك مرات عديدة. عندما ذكر “الموساد” مجدداً، تلفّت راكبان باتجاهنا. ضقت ذرعاً بلعبته، لم أعلم إن كان مهندس المعلوماتية هذا أبلهاً أم بلا مسؤولية.

  لا تعود هذه الصورة لرحلة الكاتب، وإنما تم التقاطها في رحلة منفصلة من قبل المصورة بويا

لا تعود هذه الصورة لرحلة الكاتب، وإنما تم التقاطها في رحلة منفصلة من قبل المصورة بويا

صعد راكب جديد السرفيس وجلس إلى جانبه بالذات. كان يحمل على خصره مسدساً كالذي تستعمله الشرطة، لكنه كان بثياب مدنية. عند معاودة المهندس على ذكر “السي آي إي” و”الموساد” في جملة واحدة سنكتشف ما إذا كان الراكب شرطياً أو من الميليشيا حسب ما إذا ساقنا كلينا إلى فرع أمن أو جرّني وحدي إلى قبو. لم يبدو لي أن مرأى المسدس ترك أي وقع في نفس الشاب. (“سيجرجرني أنا إلى قبو” فكرت) على الرغم من أنه خفت صوته وغيَّر الموضوع. “حزب الله يحب اللبنانيين، ومحال أن يصوّب سلاحه باتجاه لبناني. ما يريده حزب الله هو أن يتّحد المسيحيون، والسنيّون، والشيعيون جميعاً ضد إسرائيل” وعاد بريق من المشاعر ليملأ عينيه اللوزيتين. “المقاومة هي حرب اللبنانيين كلهم” ثم تابع ذمّه للبيروتيين، عديمي المبادئ. أحنيت ظهري وانهمكت في قراءة الرسائل القصيرة القديمة المخزّنة على موبايلي.

أخيراً وصلنا إلى قريته، وهي ضيعة صغيرة ومضيافة. “تعال لشرب الشاي معي. إذا تأخّر الوقت يمكنك النوم في منزلي”، “لا، شكراً”. تابعت مهندس المعلوماتية بنظري حتى اختفى في شارع تغطي جدرانه سحنات الأبطال المقاتلين، أولئك الذين لم يلتحق بهم لجبنه أو لعدم توفر اللياقة البدنية المطلوبة لديه. ما كنت متأكداً منه، هو أن إحدى الوجوه الملصقة على الجدران هي لأحد أخوته. الصورة ذاتها التي يعرضها والداه في أفضل زاوية من المنزل.

*وردت كلمة المقاومة في النص الأصلي باللغة العربية.