حوار مع النحات السوري عيسى قزح

“أفضل الاستماع إلى الموسيقا وحدها، فالغناء يزعجني أحياناً لما فيه من تكرار للكلام وأنا لا أحب الكلام،”يقول النحات السوري الشاب عيسى قزح الذي لايمانع قضاء ثلاثة أيام متواصلة دون الحديث مع أنسي. يقضيها الأيام في مشغله الصغير في دمشق القديمة محاطاً بمنحوتاته المتوزعة في كل أنحاء المكان. فالعزلة رفيقه الدائم خاصة وهو يحضر الآن لمعرضه الرابع والذي سيفتتحه في غاليري قزح بداية العام الجاري. حاولت معرفة المزيد عن هذا الفنان الشاب فكان لي معه هذا الحوار.

 

من أعمال النحات السوري عيسى قزح | 2009, Bronze, 25cm x 20cm x 20cm

كيف كانت البداية؟

ليس بالأمر السهل أن تكون نحاتاً فعلى عكس بقية الفنون البصرية، النحت مكلف جداً ويتطلب أدواتاً ومكاناً خاصاً له. لقد كانت هذه التكلفة العالية السبب في بدايتي الفنية المتقطعة حيث اضطررت بعد تخرجي من كلية الفنون الجميلة إلى العمل في مجال آخر غير النحت لأكسب عيشي. فاخترت، كي لا أبتعد عن الوسط الفني، الفوتوغراف الإعلاني مهنة لي. وبالتالي انقطعت عن النحت لمدة ستة سنوات إنما لم أتوقف يوماً عن مطالعة كتب الفن وارتياد المعارض مما سهّل عودتي للنحت فيما بعد.
لقد اتخذت أول مشغل لي في مزرعة تبعد حوالي الساعة ونصف عن مركز مدينة دمشق. عملت هنالك مع نحات آخر في ظل ظروف صعبة فلم تتوفر لنا أبسط الخدمات من ماء وكهرباء. إلا أنه سرعان ما استأجرت مشغلاً خاصاً بي في مشروع دمر (من ضواحي دمشق) ثم انتقلت إلى آخر في دمشق القديمة وها أنا اليوم قد تفرغت لفني واكتفي بالعمل لمدة يومين في الأسبوع بالفوتوغراف لكسب قوتي.

من أين تستقي أفكارك؟

الفنان جزء من هذا المجتمع فلم يعد بمقدور الفنانين أن يوصدوا الأبواب من حولهم ويعيشوا في عزلة عن محيطهم كما في السابق. تستفزني القصص والحروب والأخبار العاجلة التي باتت تطوقنا من كل جانب فلا مفر من أن تترك بصمتها على أعمالي. فالحرب الإسرائيلية على غزة بداية العام الماضي مثلاً خلّفت فيّ أثراً كبيراً ظهر في عملي هذا. (يقول الفنان مشيراً إلى منحوتة من البرونز تجسد ثلاثة أشخاص متبايني الطول آخرهم طفل صغير تقف أمامه امرأة في حين يقف في المقدمة رجل وقد أُوصد في وجهه باب كبير متهالك. يقف هؤلاء الثلاثة باستقامة وقد ثبّتوا أنظارهم إلى الأمام باتجاه الباب بصبّر وتصميم. إلا أن أجسادهم تبدو ضعيفة ورأسهم أشبه بالجماجم.)
أظن أن أهمية العمل الفني تكمن في الفكرة أولاً ثم الأسلوب. لذلك فإن الفكرة هي التي تخلق الشكل في منحوتاتي. قد أتوقف عن العمل لمدة شهور إذا لم أجد الفكرة المناسبة وفي أحيان أخرى تتهافت الأفكار في داخلي فاعتكف لأيام في مشغلي دون أن أقابل أنسياً مستمتعاً بعزلتي هذه. أَحَبُّ الأوقات إلي هو الصبّاح حيث استيقظ باكراً ففي الفجر تزورني الأفكار والتي أسارع إلى رسمها فالكروكي الأولي جزء هام من عملي.

من أعمال النحات السوري عيسى قزح | Walking, 2005, Bronze, 19cm x 4cm x 35cm

والدك وعمك معماريان وتقول بأن العمارة “في جيناتك”، إلى أي درجة أثّر فن العمارة في عملك كنحات؟

للعمارة تأثير كبير على أعمالي فأنا أبني العمل النحتي بشكل معماري. النحت يشبه العمارة فالمنحوتة إنما هي كتلة في الفراغ مثلها مثل البناء المعماري لذلك لابد للفنان من أن يمتلك إحساساً عمرانياً ويكون قادراً على خلق نسب صحيحة في العمل كذلك لابد لنقطة ارتكاز العمل أن تكون صحيحة. لذا فإن قاعدة العمل وحدها تشكل 50 بالمائة من تكوين أعمالي النحتية والتي يغلب عليها الاحساسٌ النُصبّي رغم صغر حجمها الذي يتراوح عادة ما بين ال 25 وال 35 سم.

أي المدارس الفنية هي الأكثر تأثيراً فيك؟

يجذبني الفن البدائي إن كان من الصين أو أفريقيا أو المنطقة العربية أكثر من الحديث أو المعاصر. تستهويني فنون الكهوف ويشكل التبسيط والإختزال الرائع في هذه الأعمال دافعاً لي كي أعمل حيث أشعر أنه لابد لهذه التركة الرائعة التي خلّفها لنا الإنسان القديم من أن تستمر.

لقد قمت باختصار مراحل النحت في أعمالك، هلا حدثتنا عن ذلك؟

أنا أعمل بشكل مباشر على الجبصين مختصراً الطين والقالب الجبصيني. فعادة يصنع النحات كاراكازاً حديدياً ويشكّل فوقه المنحوتة من طين ثم يغطيها بالجبصين للحصول على قالب جبصيني يغطيه بمادة عازلة ويصبّ داخله الجبصين مجدداً للحصول على العمل من جبصين. أخيراً، يصبّ هذا العمل الجبصيني بالرمل الناري حيث يكبس العمل على الرمل كما الطباعة ويصبّ داخله البرونز للحصول على العمل النهائي. كذلك يمكن أن يصبّه بالشمع في حال تمتّع العمل بتفاصيل دقيقة يريد إظهارها.
لقد اختصرت هذه المراحل بتشكيل المنحوتة مباشرة من جبصين على الكركاز دون اللجوء للطين والقالب الجبصيني الأول. و أعتمد أخيراً قالب الرمل الناري. إن العمل مباشرة بالجبصين أصعب من الطين لأنه لابد للفنان من أن يكون متمكناً من الشكل. فعلى عكس الطين والذي هو مادة طيّعة يمكن تشكيلها بسهولة، الجبصين قاس ويصعب التعديل عليه أو على الكركاز الأساسي خلال مراحل العمل.

من أعمال النحات السوري عيسى قزح | 2009, Bronze, 15cm x 10cm x 50cm

ما رأيك بما وصل إليه النحت السوري اليوم؟

لازال النحت السوري في طور الولادة ينقصه التراكم الفني وزخم الأعمال. وهذا لايعني أنه لا توجد أعمال نحتية سورية على سوية عالية جداً إنما على عكس التصوير، والذي هو أكثر نضجاً بسبب التراكم الزمني الأطول والاهتمام الأكبر الذي لقيه من الفنانين السوريين، النحت مازال بحاجة إلى المزيد من الوقت وإلى عدد أكبر من النحاتين ليُحَصّلَ قيمةً أكبر على المستوى العالمي.
فهو مازال حديثاً في سوريا فرغم وجوده بقوة في الماضي كالنحت التدمري على سبيل المثال إلا أن النحت توقف لأسباب دينية ولم يظهر مجدداً في سوريا حتى بداية القرن الماضي.
بدأ النحت يتطور بشكل ملحوظ إنما بطيء في سبعينيات القرن الماضي حيث بدأت الدولة تدعم النحت وظهرت بعض رؤوس الأموال التي ساعدت على تشجيع الحركة النحتية فالفن بشكل عام لا يتطور في ظل الفقر فهو بحاجة لطبقة غنية لتقتني الأعمال وتساعد بذلك الفنان على الإنتاج.

إلا أنه كان لهذا الإنقطاع الطويل عن النحت في سوريا، والذي دام لمئات السنيين، أثراً كبيراً على هوية الفنان. وأعود هنا لأشبه النحت السوري بالعمارة السورية. فالعمارة عندنا إما هي قديمة جداً أو تقليد للعمارة الحديثة في الخارج. لا أجد هوية واضحة للعمارة السورية المعاصرة مثلها مثل النحت.

أين تجد نفسك كنحات مابين هاتين الهويتين؟

أنا ألجأ إلى الكثير من التبسيط ولازال الشكل الإنساني ذو حضور قوي في أعمالي. إلا أن اعتماد أعمالي الكبيرعلى الفكرة يجعلها متباينة. فيمكن لكل فكرة أن تخلق شكلاً نحتياً مختلفاً ولذلك تتأرجح أعمالي بين التجريد والواقعية المفرطة وتتباين أسطحها ما بين الخشن والأملس. فلا ألتزم بمدرسة أو خط فني معين بل اتخذها كأدوات للتعبير عن فكرتي.

على عكس الماضي لقد تطور المشهد الفني السوري، وأخُصُّ هنا الفنون البصرية، بسرعة هائلة في السنوات الأخيرة وباتت الأعمال الفنية السورية تباع بالملايين في مزادات عالمية أمثال كريستيز و سوذبيز في بريطانيا، ما مدى تأثير هذا التغيير المفاجئ والسريع على الفنان السوري اليوم؟

كان لابد لهذا التطور أن يحدث لامحالة إنما بوتيرة أبطء مما صار عليه اليوم وهو بكلا الحالتين ذو تأثير إيجابي على الفنان السوري. فقد وصل بعض الفنانين السوريين سابقاً إلى العالمية إنما بات وصول أقرانهم اليوم أسرع بكثير بعد التفات المزادات العالمية إلى السوق السورية. إن الفن السوري ذو قيمة عالية تضاهي غيره من الفنون العربية والعالمية ويستحق أن يأخذ مكانته بشكل عالمي وبأسعار عالمية.
نتيجة لذلك باتت أسعار أعمال بعض الفنانين السوريين يتجاوز إمكانيات المقتني السوري لكن ذلك لن يؤثر على الفن السوري عامة.

من أعمال النحات السوري عيسى قزح | The end, 2005, Bronze, 13cm x 5cm x 21cm

لقد هاجم العديد من النقاد السوريين هذا الإرتفاع “اللامنطقي” و”المفاجئ” لأسعار الأعمال الفنية والذي اعتبروا أنه حول العمل إلى سلعة تجارية أكثر منه عملاً فنياً. ما رأيك بذلك كفنان سوري؟

إن الفنان في نهاية المطاف إنسان مثله مثل أي إنسان آخر وهو بحاجة لأن يعيش وبحاجة للمال حتى يتابع مسيرته الفنية. أنا لا أرى مانعاً من أن يصنع الفنان الشاب بعض الأعمال التجارية لتدر عليه أرباحاً ويصنع في ذات الوقت أعمالاً فنية هو راض عنها. فالفنان الشاب بحاجة للدعم المادي، قد يحصل عليه من قبل غاليري تسوّق أعماله أو من قبل شخص يؤمن بموهبته، فإن لم يحصل على أيّ من هاتين الإثنتين ولم يكن من عائلة غنية فلابد له من العمل في مجال آخر لكسب قوته. فبدلاً من العمل في مجال بعيد عن الفن لما لا يصنع أعمالاً تجارية حتى تفرج حاله؟ وفي كل الأحوال عندما يبني الفنان اسماً وشهرة لا يعود بحاجة لإضاعة وقته في صناعة أعمال تجارية لإعالة نفسه. أما عن انسياق الفنان نحو العمل التجاري فهذه مسألة شخصية تختلف من فنان لآخر.

ما مدى تأثير الأزمة الاقتصادية على الساحة الفنية السورية بعد التطور المفاجئ وارتفاع الأسعار الذي شهدته في السنوات الأخيرة؟

لقد أخذ تأثير الأزمة بالظهور مؤخراً فقط. ففي حين كانت الأزمة الاقتصادية في ذروتها بالخارج، كانت السوق السورية نشيطة وذلك بسبب عزلتنا النوعية عن الاقتصاد العالمي. فكان تأثرها نفسياً أكثر منه مادياً. إلا أن السوق بدء يعاني من حالة ركود مؤخراً خاصة وأن الفن هو أول من يتأثر بهكذا أزمة فهو يعد من الكماليات. إلا أن هذا التأثير ليس بليغاً.

لقد حقق فن التصوير السوري مكانة بارزة بين الدول العربية الأخرى، ماذا عن النحت؟

لايوجد للنحت اليوم حضور كبير في العالم العربي. لعل من أبرز الدول العربية على صعيد النحت هي مصر والتي عاد فنانوها للنحت قبل أقرانهم السوريين بقليل. كذلك يبرز نحاتو العراق ولبنان. لكن أتصور أن المناخ في سوريا هو الأفضل اليوم مقارنة ببقية الدول العربية للنحت وقد ظهر مؤخراً العديد من النحاتين الجدد مما يبشر بتطورلافت للنحت السوري في المستقبل القريب.

نشر هذا الحوار باللغة الإنكليزية  في مجلة ريفولف الإلكترونية.