Shout Art Loud

An interactive documentary by Melody Patry on different artistic initiatives that tackle sexual harassment in Egypt. It really sums up some of the most creative art movements since the overthrow of Mubarak.

You can see the full documentary here.

فيلم تسجيلي تفاعلي من إخراج ملودي باتري حول مبادرات فنية مختلفة تعالج موضوع التحرش الجنسي في مصر. يجمع الفيلم بعضاً من أكثر التوجهات الفنية تفرداً منذ الإطاحة بمبارك.

يمكنك هنا مشاهدة الفيلم كاملاً.

 

فيلم رجال المدينة للمخرج البريطاني مارك أيزاكس

مشهد من فيلم رجال المدينة للمخرج البريطاني مارك آيزاكس

مشهد من فيلم رجال المدينة للمخرج البريطاني مارك آيزاكس

مدير مالي في بورصة لندن، موظف تحصيل ديون وعامل يومي يحمل لافتة مطعم. ثلاثة رجال من خلفيات ثقافية، اجتماعية وعائلية مختلفة لا يجمع بينهم سوى المال، أو بالأصح الجري الحثيث لتحصيله.

يسلط المخرج البريطاني مارك آيزاكس من خلال تصوير حياة الرجال الثلاثة الضوء على تبعات النظام الاقتصادي العالمي الذي جرّد العاملين الراكضين وراء لقمة العيش من إنسانيتهم فباتوا محكومين بشريعة الغاب حيث البقاء للأقوى. هي رسالة عبّر عنها آيزاكس بحرفية كبيرة من خلال تصويره ليوم عمل في بورصة لندن. فصوّر لقطات قريبة لوجوه الرجال المتربصة، ولحركات أيديهم التي هي أشبه بإشارات حرب سرعان ما تندلع ليصور لنا جلسة المضاربة التي ينقضّ  خلالها المضاربون على هواتفهم وتعلو أصواتهم  بالصراخ الذي يمزجه المخرج بأصوات حيوانات الغابة. مشهد برّي عنيف تبلغ تعبيريته ذروتها في لقطاته الأخيرة التي تصور عن قرب آثار جروح قديمة تعلو وجوه المضاربين المنهكة.

تتخلل مشاهد الفيلم الذي يتنقل باستمرار ما بين حيوات الرجال الثلاثة، لقطات مختلفة للمطر. فتارة نتابع قطرات المطر المتدافعة بقوة على الزجاج، وتارة أخرى نراها خيوطاً من المياه التي تشبه في اصطدامها بالأرض خيوط الشرار المتطاير. وأخيراً نتتبعها سيولاً تعصف بنهر التايمز. تضفي مشاهد المطر تلك مصحوبة بموسيقا تصعيدية إحساساً بالضيق في مدينة يغرق سكانها في دوامة الأزمة الاقتصادية! فكما العامل البنغالي الذي يجلس معانقاً لافتة المطعم طوال النهار حتى تدق ساعة الاستراحة فيركض مسرعاً إلى أقرب مطعم ليأكل ما تسنى له من الطعام ويهرول عائداً قبل أن تنقضي استراحته القصيرة، كذلك يصور آيزاكس الحياة في ظل الأزمة الاقتصادية؛ حياة مقتضبة يعيشها الناس في الوقت المستقطع من العمل.

   بعيداً عن الرجال الثلاثة يأتي الزبال، رجل متنسك يكنس شوارع لندن بهدوء متأملاً وجوه المارين المتعبة سائلاَ:

«كيف يمكن لزبال أن يستمتع بعمله. عليه أن يكون تعيساً! هكذا يتوقع منك النظام أن تكون! وهكذا هم غالبية الناس الذين ستجدهم في شوارع المدينة. هم يشعرون بأن علي أن أكون تعيساً، لكن لم عليّ أن أكون كذلك؟»

ربما سؤال الزبال هذا هو «زبدة» الفيلم الذي ختمه المخرج برومانسية تتناقض مع سياق الفيلم القاتم. فما أن يستقيل موظف تحصيل الضرائب من عمله ويُخرج دراجته النارية المنسية لسنوات في كراج المنزل ليمارس هوايته القديمة، وما أن تتعالى ضحكات أطفال المدير المالي وهم يتخذون وضعيات مختلفة ليصورهم والدهم الذي نادراً ما تتسنى لهم رؤيته، حتى تتلاشى الغيوم الداكنة من السماء ويبزغ قوس قزح جميل آذناَ بأفول الأمطار.

لا رمان في طهران، فيلم للمخرج الإيراني مسعود بخشي

لارمان في طهران للمخرج مسعود بخشي | إيران 2006، 67د

لارمان في طهران للمخرج مسعود بخشي | إيران 2006، 67د

“طهران تبدو مدينة جميلة لكن أهلها سيئون!” تقول غولنار لحبيبها الذي عرض عليها السفر معاً إلى طهران في مقطع من فيلم قديم افتتح به الم الإيراني مسعود بخشي فيلمه “لا رمان في طهران”. هذه الجملة هي زبدة الفيلم (إن صحّ التعبير) الذي يقص تاريخ هذه المدينة “الجميلة” و ما تعرضت له من تخريب و تشويه بسبب السياسات غير المدروسة التي اتبعتها الحكومات المتتالية في إيران.

لكن ولكل من يكره دروس التاريخ المملة، اطمئنوا فلستم بصدد تلقي محاضرة مطوّلة عن تاريخ طهران منذ القرن التاسع عشر و حتى اليوم! يسلط بخشي الضوء على أهم مراحل تطور طهران بأسلوب فكاهي ومميز، يخفف من وطأة المشاكل السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية التي يستعرضها، حيث يعرض فيلماً داخل فيلمه يلعب فيه دور مخرج (هو بخشي ذاته) يتوجه إلى مركز طهران للأفلام الوثائقية و يشكي لهم الصعوبات التي واجهها في تصوير فيلمه و يعرضه على المشاهدين مقدما لهم أرشيفاً لا مثيل له من الصور و مقاطع الفيديو النادرة التي تشكل وثائقاً تاريخية هامة عن طهران.

رغم أنه اعتمد الترتيب الزمني في عرض هذه الوثائق إلا أنه يعيد المشاهد كل تارة و أخرى إلى الحاضر من خلال بث صور عن طهران اليوم محفزاً المشاهد للمقارنة بين الماضي و الحاضر. كذلك ينتقد الرقابة الإيرانية من خلال سرده للوقائع كأنه يقرأها من كتاب تاريخ منقّح و موافق عليه من السلطة ممتدحاً أمجاد الدولة بنبرة متهكمة في حين أن الصور الوثائقية التي يعرضها تنافي ذلك تماماً. يصل نقد الرقابة إلى ذروته عندما ينقطع الشريط السينمائي كلما تسلمت فئة جديدة الحكم و يتلف بشكل نهائي عند تشكل الجمهورية الإسلامية عام 1979.

في حين يستعرض بخشي عوائق التطور في طهران من بيروقراطية و التشبث بشبح الحرب الإيرانية العراقية الذي يدفع العاملين في الوزارات و مراكز الدراسات إلى إهمال عملهم للاحتفال بهذه “المناسبة القومية”، ينتقد مظاهر التطور من صناعة السيارات و الأبنية الحديثة التي تسبب التلوث و القضاء على المساحات الخضراء في المدينة و يحذر من إعادة مأساة زلزالي رودبار و بام في عامي 1991 و 2003 الذين ذهب ضحيتهما 5 ملايين شخص بسبب البنية القديمة و المتهالكة لطهران و الأبنية الجديدة ذات النوعية السيئة التي هي طبعاً ذنب العمال الأفغان و الأكراد الذين يعملون في البناء و ليس الحكومة!

ختاماً، يعيد بخشي إلى أذهاننا غولنار الرافضة للسفر إلى طهران بسبب سوء أهلها عندما يخبرنا جعفر (أحد الممثلين) أنه رغم حبه لطهران و رغبته في الإقامة فيها عليه الرحيل على أمل العودة إليها في المستقبل.

لكن ما علاقة الرمان بكل هذا؟ يصاب المخرج بالإحباط بعد عرض فيلمه و يقرر أن تصوير فيلم وثائقي عن طهران هو مضيعة للوقت! لذلك يعد مركز طهران للأفلام الوثائقية بأن يصور فيلماً عن الرمان الذي اشتهرت بزراعته طهران منذ قرون و الذي لا مثيل لحلاوته و كبر حجمه و لونه القرمزي في العالم. الرمان الذي، هو الآخر، جف و انقرضت زراعته في طهران!

“لا رمان في طهران” هو فيلم لابد من رؤيته لكل من يود الاطلاع على طهران الماضي و الحاضر، الاستمتاع بفيلم عالي الجودة، و الضحك بصدق، كل هذا خلال ساعة واحدة فقط!

مشهد من فيلم لارمان في طهران للمخرج مسعود بخشي

مشهد من فيلم لارمان في طهران للمخرج مسعود بخشي

مسعود بخشي:

بالإضافة لدراسة الإخراج السينمائي في إيطاليا 1999، تعلم المخرج الإيراني مسعود بخشي التمويل الثقافي في فرنسا عام 2005 وكان قد حصل على بكالوريوس في الهندسة الزراعية في إيران عام 1995. يعمل بخشي اليوم كناقد و كاتب و منتج سينمائي.

حاز على جائزة أفضل مخرج في مهرجان الفجر الخامس و العشرين و مهرجان بيت السينما الحادي عشر كما حصل على جائزة أفيني عن أفضل فيلم .تسجيلي لعام 2007 و جائزة الجمهور في مهرجان سينما فيرتيه الدولي للسينما التسجيلية في العام ذاته

نشرت هذه المادة في”وجهة نظر” النشرة اليومية الصادرة عن مهرجان سينما الواقع للأفلام الوثائقية .

حوار مع المخرج الجزائري مالك بنسماعيل حول فيلمه التسجيلي “ولو في الصين”!

حمل المخرج الجزائري مالك بنسماعيل كاميرته وانتقل إلى مدينة في منطقة الشاوية البربرية والتي كانت مركز إنطلاق الثورة الجزائرية ليرصد من خلال الحياة اليومية لطلاب في مدرسة ابتدائية ما آلت إليه الضيعة بعد خمسين عاماً من الاستقلال.

”و لو في الصين“ فيلم يطرح العديد من الأسئلة حول الهوية الجزائرية والصراع الفريد بين الماضي والمستقبل في بلد أنهكته الحرب والتقلبات السياسية.

أجريت مع زميلتي الصحفية فاطمة عاشوراء هذا الحوار مع مخرج الفيلم الجزائري مالك بنسماعيل

المخرج الجزائري مالك بنسماعيل

المخرج الجزائري مالك بنسماعيل

بعد مرور خمسين عاماً على الثورة الجزائرية و نيل الاستقلال أين وصلت الجزائر اليوم و هل واقعها هو فعلاً بهذا السوء والتخلف الذي عكسه فيلمك؟

إن الظروف الصعبة التي رأيتها في الفيلم هي الواقع الذي تعيشه مدن الجزائر باستثناء الجزائر العاصمة و هي تشكل ٩٠٪ من الأراضي الجزائرية. حتى أن المدينة التي صورت فيها فيلمي و رغم أنها مهد الثورة الجزائرية ومركز اندلاعها لا يصلها الغاز اليوم و هؤلاء الأطفال الذين صورتهم في الفيلم يرجفون من البرد طوال فترة الشتاء.

 الأطفال الذين صورتهم في فيلمك لم يُبدوا أي ارتباط بهذه الثورة بل و بدت كأنها مفروضة عليهم فهل برأيك على الجزائريين أن يطووا هذه الصفحة و يتوجهوا للمستقبل؟

إن الأساتذة في الفيلم يحبون الجزائر إلا أنهم يفرضون من خلال المنهاج التعليمي غير المدروس بشكل جيد هذا الإحساس القومي و حب الوطن على الطلاب بشكل قسري مما يقتل هذا الحب في قلوبهم لأن المبالغة في الوطنية تقتلها. إن مراسم رفع العلم و إلقاء النشيد الوطني مرتين يومياً في المدرسة جعل منها عملاً روتينياً يردده الطلاب بشكل أوتوماتيكي دون أي تفاعل مما يخلق لديهم مللاً بل وكرهاً للمدرسة فأحد الطلاب في المدرسة قال للأستاذ بأنه يود ترك المدرسة و العمل كصائغ مع عمه ليجني المال. و هذا مثال على كيفية دفع نظام التدريس السيء للطلاب نحو الرأسمالية و تقليلهم من شأن المعرفة لصالح المال.

تبدو الهوية الجزائرية ممزقة في فيلمك فعندما يسأل الأستاذ طلبته عن هويتهم يعجزون عن الإجابة ثم يلخصونها باللغة العربية و البربرية و الدين الإسلامي. كيف ترى أنت الهوية الجزائرية؟

إن النظام التدريسي هو من فرض هذا الشتات في الهوية. إلا أنني لم أصدر حكماً بتمزق هذه الهوية فأنا كمخرج لفيلم و ثائقي لا أصدر أحكاماً بل اختار موضوعاً، و قد اخترت الآن هذه المدرسة، فأحمل الكاميرا و اراقب متجرداً من الأفكار المسبقة ثم أحضر فيلمي على أساس الوقائع التي أرصدها. وقد وجدت نقاطاً إيجابية أيضاً كإنسانية الأساتذة الذين رغم توجههم للعنف أحياناً في تعاملهم مع الأطفال إلا أنهم يريدون تحقيق تغيير في الضيعة ونشر الثقافة و هذا يثبت أن الرجل و المرأة بمعزل عن التوجهات الإيديولوجية و السياسية يعملون بالفطرة لخدمة وطنهم.

مشهد من فيلم ولو في الصين للمخرج الجزائري مالك بنسماعيل

مشهد من فيلم ولو في الصين للمخرج الجزائري مالك بنسماعيل

 

يريد أحد الأطفال في الفيلم أن يصبح طبيب أسنان فيقول له المعلم أنه لتحقيق ذلك عليه تعلم الفرنسية، فهل يعجز الجزائري رغم كونه مواطناً عربياً عن التطور دون تعلم اللغة الفرنسية؟

لقد دخلت اللغة الفرنسية ضمن اللعبة السياسية للإحتلال الفرنسي الذي أراد محو الهوية العربية والإسلامية من خلال فرض الفرنسية لغة للتعليم خلال ١٥٠ سنة. أما الحكومات الجزائرية التي تشكلت بعد الاستقلال فعربت الدولة و نظام التعليم من الابتدائية حتى الثانوية فبات على الطلاب تعلم العربية الفصيحة بشكل مكثف و خلال فترة قصيرة  جداً. و قد فرضت بالعنف و هذا السبب في أنني لا أتقن العربية. أما الجامعات فلم يتم تعريبها لذلك لا يمكن متابعة الدراسة دون إتقان الفرنسية. و هذا يخلق انفصاماً في الشخصية لدى الجزائري الذي لم يعد يعرف إن كان فرنسيا،ً عربياً أو بربرياً! كان من المفترض أن تدمج هذه الهويات المتنوعة و يتعلم الجزائري هذه اللغات جميعاً فلا يمكن إلغاء اللغة الفرنسية بعد ١٦٠ عاماً من تحدثها. كذلك على الحكومة أن تعترف بلغة الشعب فقد وصمت اللغة الأمازيغية و العامية الجزائرية بالعار و اعتبرتها لغات وحشية و متخلفة و باتت اللغة العربية الفصحى هي لغة السلطة! فالشرطي مثلاً يتحدث مع المواطن بالعامية في حين أنه يكلم مرؤسيه بالفصحى و التي باتت تخلق الرهبة لدى الشعب.

تظهر المرأة الجزائرية، وهي التي لعبت دوراً كبيراً في الثورة، في الفيلم كخادمة و شخصية مهمشة. هل يعكس هذا بالفعل واقع المرأة الجزائرية اليوم؟

إن المنطقة التي صورت فيها هي منطقة الشاوية البربرية و قد كانت النساء في زمن جدتي يعملن في الزراعة ويخرجن للشارع و يشاركن في الحياة اليومية فيها إلا أنهن اليوم مختفيان تماماً في هذه الضيعة لدرجة أنني لم اشاهد طوال فترة تصوير الفيلم سوى امرأتين، الخادمة التي تعمل في المدرسة و التي رفضت التحدث معي خلال الستة شهورالأولى التي صورت فيها و رجل مخنس رفض المشاركة في الفيلم. بالتالي فإن وضع النساء اليوم في الضيعة هو أسوء مما كان عليه في السابق. لقد كنت أود إعطاء النساء دوراً أكبر في الفيلم إلا أنهن كن مختفيات في المنازل لم أشعر بوجودهن إلا من خلال فناجين القهوة و الطعام الذي أرسلنه مع أطفالهن لنا خلال فترة التصوير.

مشهد من فيلم ولو في الصين للمخرج الجزائري مالك بنسماعيل

مشهد من فيلم ولو في الصين للمخرج الجزائري مالك بنسماعيل

 

على الرغم من  أن الدين يدرس في الكّتاب بشكل آلي دون إبتغاء المعرفة، اخترت حديثاً نبوياً يحضّ  على العلم عنواناً لفيلمك، فهل في ذلك ترسيخ للصورة الحقيقية للإسلام بعيداً عن التفسيرات الخاطئة؟

لقد لخترت هذا الحديث ”أطلبوا العلم و لو في الصين“ لسببين. أولاً أردت التأكيد على انفتاح الدين الإسلامي و طلبه للمعرفة و لو كانت من بلد غير إسلامي وثانياً أردت الإشارة إلى أن الانحدار الثقافي بلغ فينا موضعاً بتنا معه بحاجة لاستقطاب عمال من الصين لإعمار بلدنا فإن أغلب العمال و المعامل في الجزائر هي من الصين!

هل عرض هذا الفيلم في الجزائر؟

لم يعرض بشكل رسمي  لكونه فيلماً و ثائقياً و الفيلم الوثائقي هو دائماً من جهة الشعب، باستثناء الدعائية منها طبعاً، فهو يعكس الواقع المعاش و يصبح بالتالي غير قابل للإنكار على عكس الفيلم (الروائي)  الذي و إن عكس نفس الوضوع فهو ينعت بالخيالي لاعتماده على ممثلين و سيناريو مكتوب.

نشرت هذه المادة في”وجهة نظر” النشرة اليومية الصادرة عن مهرجان سينما الواقع للأفلام الوثائقية 2009. لتحميل كامل النشرة أنقر هنا
لقراءة الأعداد الأخرى من “وجهة نظر” يمكنك زيارة موقع المهرجان

امرأة وحيدة للمخرج المغربي إبراهيم فريتح

    مشهد من فيلم امرأة وحيدة للمخرج إبراهيم فريتح

مشهد من فيلم امرأة وحيدة للمخرج إبراهيم فريتح

يتوجب علي الإعتراف بأنني لم أتحمس لمشاهدة فيلم وثائقي عن العبودية المعاصرة فهو موضوع تم البحث حوله بشكل جيد في سوريا و قد ذرفت الكثير من الدموع أثناء متابعتي لأفلام و برامج تلفزيزنية تعالج هذه القضية بالذات فلم أعد طواقة لمشاهدة فيلم مأساوي آخر. إلا أنني أدركت منذ مشاهدة الدقائق العشرة الأولى من فيلم امرأة وحيدة للمخرج المغربي الفرنسي إبراهيم فريتح أن هذا الفيلم سيكون مختلفاً.

“إن قصة ليغبا قاسية بما فيه الكفاية لذلك لم أرغب بتقديمها بأسلوب اجتماعي واقعي على غرار البرامج التلفزيونية التي تستخدم الكثير من التأثيرات البصرية و الصوتية لإثارة مشاعر المشاهدين.” قال فريتح الذي فضل تقديمها بشكل مجرد فعلى الرغم من أن الفيلم يدور حول ليغبا التي تحولت إلى عبدة لعائلة من توغو كانت قد سافرت معهم إلى فرنسا، لم تظهر ليغبا إلا في الدقائق الأخيرة من الفيلم.

استعاض فريتح عن تصويرها باستخدام أجزاء من صور عن توغو و الأماكن التي ذهبت إليها ليغبا و أجزاء من صور ليغبا ذاتها و التي قال فريتح بصددها “لقد صورت مجرد أجزاء من الأشياء لأوضح أن ليغبا هي مجرد جزء من  الكل مما يعبر عن وحدتها وعزلتها عن البقية من جهة و لاستثير مخيلة المشاهدين من جهة أخرى.”

لقد  استثار فريتح مخيلتهم بالفعل من خلال اختياره لعرض فيديو عن غسالة تدور الثياب في داخلها بسرعة شديدة عندما وصفت ليغبا حادثة سقوطها على الدرج و عرضه لفيديو آخر عن شاشة تلفاز قطع الإرسال عنه فطغت عليه النقاط البيض و السود المتدافعة عندما شاهدت ليغبا هطول الثلج لأول مرة في حياتها.

بما أن الموسيقا الوحيدة التي استخدمها فريتح في فيلمه هي صوت ليغبا و هي تقص حكايتها فقد بدى الفيلم و كأنه تسجيل لامرأة تقلب ألبوم صورها العائلي و تفكر بصوت عالي.  “لا يتوجب على المخرج لمجرد تناوله مأساة إجتماعية أن ينقلها إلى الشاشة كما هي!” قال فريتح. “يمكن له أن يصورها بطريقة مختلفة و مبتكرة” هذا هو ما فعله فريتح. إن فيلم امرأة وحيدة هو فيلم غير تقليدي لمخرج غير تقليدي. فيلم لابد من مشاهدته!

    مشهد من فيلم امرأة وحيدة للمخرج إبراهيم فريتح

مشهد من فيلم امرأة وحيدة للمخرج إبراهيم فريتح

إبراهيم فريتح

درس المخرج المغربي الفرنسي إبراهيم فريتح، و هو من مواليد 1973، في قسم الفيديو في المدرسة العليا للديكور.  أخرج عدة أفلام  و حاز على الكثير من الجوائز منها جائزة الجودة من مركز السينما الوطني في فرنسا في الدورة ال 56 من مهرجان مونتيكاتيني و الجائزة الكبرى في مهرجان جان بول عام 2005 و جائزتي لجنة التحكيم و أفضل فيلم تسجيلي في الدورة السادسة من مهرجان دولارت ليموغس

نشرت هذه المادة في”وجهة نظر” النشرة اليومية الصادرة عن مهرجان سينما الواقع للأفلام الوثائقية. لتحميل كامل النشرة أنقر هنا

لقراءة الأعداد الأخرى من “وجهة نظر” يمكنك زيارة موقع المهرجان

لقاء مع المخرجة الأردنية ساندرا ماضي

حلمت بدراسة القانون الدولي، إلا أن معدلها الدراسي لم يسعفها، فإختصت بالرياضة. ما أن تخرجت حتى تركت الملعب وراء ظهرها لتدخل عالم الفن بقوة، فتصبح سريعاً ممثلة مسرح معروفة في الأردن.

تتحلى بشخصية جريئة ومتجددة ودائمة القلق، فبعد أن حصدت الشهرة والعديد من الجوائز في عالم المسرح؛ منها جائزة التانيت الذهبي كأفضل ممثلة في مهرجان قرطاج المسرحي الدولي 2003، عادت إلى مقاعد الدراسة مجدداً لتدرس السينما التسجيلية الإبداعية في المعهد العربي للفيلم، وتصبح من المخرجات الأردنيات الواعدات.

ساندرا ماضي

ساندرا ماضي

لا يخفى على من تابع مسيرتك أنك لست من فئة “أحببت السينما منذ نعومة أظافري“، فلماذا اخترت التوجه إلى السينما؟

 هذا صحيح! لقد أحببت المسرح منذ نعومة ” ظفائري”، واعتبر التوجه للسينما  إمتداداً – بشكل من الأشكال – لتجربة إبداعية بدأتُها، وجاءت بعد تأمل مستمر. ولا ضير في ذلك حسب اعتقادي. على العكس أجد نفسي و قد دخلت عالم السينما مستفيدةً من جديتي و تعمقي في عالم المسرح و ثقافته الإنسانية. فرغم أن المسرح نمط فني مختلف و مستقل حتماً عن السينما، إلا أن كثيرين ممن عملوا لسنوات في المسرح كمحترفين انتهى بهم المطاف في السينما، كمثل المخرج السينمائي الاستثنائي عبد اللطيف كشيش من تونس، الذي بدأ كممثل مسرحي ثم انتقل إلى الإخراج المسرحي، وبات اليوم مخرجا سينمائياً معروفاً. أما لماذا اخترت التوجه للسينما فلا أملك إجابة محددة! ولكن أستطيع القول أن المساحة التي تتيحها السينما أرحب و أكثر تعبيراً عن الأفكار التي أرغب بالتعبير عنها.

 عندما اخترت السينما اخترت التسجيلية منها والإبداعية تحديداً، لماذا؟

السينما التسجيلية الإبداعية هي تحدي بدون شك! تحدي فني و فكري في الوقت ذاته، فهي اختزال للحياة و للواقع ضمن رؤية خاصة. فالفيلم يعبر غالباً عن وجهة نظر صانعه. هكذا هي كل السينما و ليس التسجيلية فحسب. و لكن الفرق بين الاثنتين هو تماهي الثانية المطلق مع واقعة أو حكاية ”حقيقية“، في حين يجذبنا الوهم لساعة أو أكثر في فيلم روائي و تنتهي الحكاية.

يظهر الهم الفلسطيني بكثرة في أعمالك، فنشاهد في أفلامك ملاكماً من مخيم فلسطيني خسر مستقبله المهني لرفضه مواجهة رياضي إسرائيلي، ونتعرف على مصير الفدائيين الذين بذلوا الكثير في صفوف منظمة التحريرالفلسطينية. لماذا اخترت القضية الفلسطينية موضوعاً لك وهل أنت من أنصار الفن الملتزم؟

إن موضوعاتي فلسطينية بكل تأكيد. لكن اختياري للموضوعة الفلسطينية لم يأتِ لمجرد كونها مادة إنسانية زخمة و ثرية و جذابة بدون شك، بل إن ما يشدني أكثر هو الذاكرة الحقيقية لقضية ما زالت تنتظر أن تروى و هي تلتمع أمام عيني كأولوية دائمة، و ما زال هناك الكثير الكثير مما لم يقال.

 أعتقد أن نشأتي “الخاصة” – شأني شأن كل الفلسطينيين في الشتات الذين أبعدوا قسراً عن بيئتهم ومحيطهم- وإحساسي بمعنى فقدان امتياز أن تعيش في بلدك أو ما يسمى الوطن، قد انحفر بعمق في وعيي و اللاوعي على حد سواء، وينعكس ذلك حتماً على خياراتي. بالطبع تنبع الحكايا التي سلّطت عليها الضوء في أفلامي من محيطي هذا. فالمخيم موجود، أراه باستمرار وأسمع قصصه وأعيه تماماً، رغم أني لم أنشأ فيه. ومن جانب آخر فإن جزءاً من هؤلاء المحاربين المقاتلين، الذين رفضوا تماماً من قبل قياداتهم الفلسطينية، موجودون هنا في الأردن … هذا ما أراه، هذا ما يحيط بي، وهو جزء من ذاكرة لا تذوب مع الأيام. وهي مهمة لأنها تشكل جزءاً من الذاكرة الفلسطينية ككل، والتي هي أشبه بقطع الموزاييك. كل فرد منا يحمل قطعته – حكايته – وهذا هو أكثر ما يخيف المحتل، أن تبقى الذاكرة حيّة.

بالنسبة  للفن الملتزم ، أنا لا أفهم ماذا يعني فن ملتزم بحق. أنا أفهم أن أي فيلم يحقق امتيازاً فنياً وفكرياً ربما هو فيلم يستحق أن يشاهد وليس الموضوع وحده هو ما يرفع الفيلم السينمائي لمصاف الأفلام ”الملتزمة”.  طبعاً نحن بحكم العاطفة أو التعاطف ننساق إلى الاعتقاد بأهمية فيلم عن آخر كونه يتحدث مثلاً عن العراق أو فلسطين أو غيرها من القضايا، و لكن هذا غير دقيق أبداً.

لقد تعاونتِ مع mbc group في إنتاج فيلمكِ التسجيلي الأخير “ذاكرة مثقوبة“، ما طبيعة هذا التعاون وكيف تقيّمين تجربتك كمؤلفة ومخرجة تتعامل مع التلفزيون؟

لقد اقتصر الموضوع على الإنتاج ليس إلا، فقد قدمت مشروعي لمسابقة أعلنت عنها المجموعة لصانعي أفلام عرب مستقلين و قد فاز فيلمي بالجائزة الأولى، وعليه أنجزت النسخة القصيرة الخاصة بالعرض التلفزيوني. أما النسخة الأخرى الطويلة فهي التي شاركت بالمهرجانات.

إن تَقَدُّم التلفزيونات العربية و تَجَرؤها على إنتاج أفلام تسجيلية بالتعاون مع مخرجين مستقلين ليس بالفكرة السيئة. إلا أنه، وحتى يتخذ عملها سياقا جاداً و فاعلاً، لابد من التأسيس لتقاليد تضبط العلاقة بين الجهة المنتجة و المخرج، لتصبح هذه الجهات رافداً و متنفساً لنا كمخرجين، بدلاً من أن يكون توجهنا بالمطلق للجهات الأوروبية غالباً.

إلا أنني أعتقد أن ذلك بعيد المنال لأسباب عديدة، أهمها غياب الرؤية لدى أصحاب النفوذ من جهة، و غياب المختصين الذين يستطيعون بحق تقدير أهمية التعاون و تقديم الدعم للأعمال التسجيلية الإبداعية من جهة أخرى. وربما لا يخفى أيضاً سبب جوهري- و هو سياسي بحت- كون هذه الأفلام في الغالب تتمتع بروحية نقدية ذات سقف عالٍ من الحرية و التعبير. فمتى نكون على استعداد لمواجهة كل ذلك. لا أعلم و لست متفائلة.

هل من صعوبات تقنية أو اجتماعية تواجهينها كمخرجة شابة في الأردن؟

لم أأأواجه صعوبات اجتماعية أو عائقاً حقيقياً لكوني فتاة، أو على الأقل لم أواجه ذلك حتى اللحظة. إن العائق الذي أواجهه هو عائق ثقافي يكمن في ضحالة المعرفة بالفيلم التسجيلي في الأردن. فنمط الأفلام السائد هنا، كما في البلدان العربية الأخرى، هو النمط الاستهلاكي للأفلام الأميركية أو النماذج المستنسخة عنها، عربيةً كانت أم أجنبية، كالتركية مثلاً. هذه هي الثقافة المنتشرة الآن، وهذا ما يريده صاحب رأس المال. والخطورة تكمن في الدور السلبي الذي تلعبه هذه الأفلام من خلال تغييب الصورة الحقيقية لمجتمعاتنا و ثقافتنا و قضايانا.

لقد قلت في لقاء صحفي سابق مع سارة القضاة “حتى نلمس الوعي عند الآخرين فنحن بحاجة إلى مساحة كافية من الحرية للتعبير دون رقابة داخلية أو خارجية“، إلى أي حد بإمكانك التخلص من هاتين الرقابتين؟

 يبدو أنني كنت متفائلة لدرجة ملفتة حينها. لا أعتقد، بداية، أنه بإمكاننا ملامسة هذا الوعي في اللحظة الراهنة، أو حتى مجرد الاقتراب منه، فالوعي يتشكل بالتراكم ولا يحدث فجأة. بالتالي، لا يمكن لفيلم أو حتى عشرة أفلام أن تشكل وعياً لدى المشاهد. إلا أنه من الممكن أن تساهم في خلق متلق ذي ذائقة انتقائية أو ناقدة في أفضل حال. لكن هذا أيضاً يتطلب مشاهداً متعلقاً بالسينما وقادراً على الاختيار ويطلب و يسعى بنفسه لمشاهدة هذه الأفلام في المهرجانات السينمائية. ولا أقصد هنا المهرجانات العربية التي تقوم بهدف الدعاية السياسية وتوطيد العلاقات العامة أو الخاصة أو تلك المستنسخة عن مهرجانات عالمية. أقصد مهرجاناً يشبه الناس وموجهاً للناس. أما عن موضوع الرقابة فهي نسبية وغالباً ما يتم التحايل عليها،  فنحن في ظل هذه الأنظمة الشمولية نجتهد كثيراً لتجنب الاصطدام مع هذا الرقيب و هو قريب جداً في كل الأحوال. ولست متفائلة كثيرا بتغيّر هذا الحال، إلا إذا تغيّرت هذه الأنظمة أو- على الأقل- تغيّرت العقلية التي تديرها والتي  توجّه سهام الإتهام لأي مبدع يقول شيئاً من الحقيقة. هذه الأنظمة ذات الوجود الهش، والتي تتعامل بمنطق العصا مع أبنائها الذين يحبون أوطانهم، ربما أكثر منها.

ما هي التغييرات التي تتأملين كمخرجة شابة أن تحدث في المشهد السينمائي في الأردن؟

للحديث عن المشهد السينمائي في الأردن نحتاج إلى فهم واقع و تركيبة النسيج الاجتماعي الثقافي والسياسي لهذا المجتمع الذي اعتقد أنه خاص وذو خصائص تستحق البحث فيها. أقول ذلك لفهمي وإدراكي أن السينما عندما تريد أن تبرز وتتميز، فلابد لها أن تأخذ الكثير من الثقافة والملامح الحقيقية لهذا المجتمع الذي تخرج منه. ونحن مازلنا بحاجة إلى الكثير لتحقيق ذلك. طبعاً لا يمكن طلب الكثير، فالمشهد ما زال في طور النشأة. هناك محاولات جادّة من قبل أفراد، واتمنى أن تستمر، وأن يُقَدَّمَ لها الدعم. وهناك طبعاً دور مؤسساتي تلعبه الهيئة الملكية للأفلام ومعهد البحر الأحمر للسينما “ريسيكا” و الهدف منهما هو تهيئة و تدريب تقنيين و فنيين و تخريج كوادر مدربة بدرجة عالية لتأسيس الأرضية الضرورية لصناعة سينمائية بالاعتماد على كوادر محلية، وهذا هام جدا برأيي، ولكن اتمنى أن يتمكن هؤلاء من تحقيق مشاريعهم الخاصة وأن لا يصطدموا بواقع الإنتاج المرير الذي يعاني منه معظم المخرجين العرب بالعموم.

ماهي مشاريعك السينمائية القادمة؟

حاليا أحضّر لفيلم تسجيلي طويل بعنوان “غزة غزة” كما أعمل على كتابة مشروعي السينمائي الروائي الأول.

*أجابت المخرجة على أسئلتي كتابياً

نشر هذا اللقاء في  تفاصيل، وهي نشرة مجانية فصلية مختصة بالتسجيلي تصدر عن  بروأكشن فيلم.

لقاء مع المخرج الفلسطيني رائد أنضوني

“ينظر الغرب للفلسطيني كإرهابي، في حين يُنظر إليه في الشرق الأوسط على أنه فدائي. أنا أردت تصويره على حقيقته كإنسان مثل أي إنسان آخر في العالم”. قال المنتج والمخرج الفلسطيني رائد أنضوني الذي يشتغل على كسر الصور النمطية للفلسطيني في السينما عاكساً؛ في الوقت ذاته؛، الواقع اليومي الصعب والظالم الذي يعيشه في ظل الاحتلال الإسرائيلي، صعوبة تنقله وصراعه من أجل الحفاظ على هويته.

رائد أنضوني

رائد أنضوني

يتخيل للناظر من الخارج أن “المنتج” بالمعنى المتداول دولياً للكلمة، مفقود في كل العالم العربي إلا في فلسطين! كيف كانت تجربتك كمنتج؟  

هذا يعتمد على المقصود بكلمة منتج. فالطابع التجاري للمنتجات السينمائية في المنطقة؛ والتي هي غالباً مسلسلات وأفلام تجارية أو “أفلام شباك”- إذا صح التعبير-  تقاس قيمتها بكمية الأرباح المادية التي تحققها؛ شكّل بأذهان الناس صورة نمطية خاطئة عن المنتج كمستثمر. إلا أننا إذا نظرنا إلى السينما من منظور ثقافي فني، كأداة للحفاظ على ذاكرة الشعوب، سنجد أن الدافع الوحيد للمنتج هو شغفه بالسينما، إذ أن العمل في أي مجال آخر سيدر عليه أرباحاً أكثر بكثير من عمله في مجال السينما التسجيلية الإبداعية.

ربما فلسطين كانت رائدة، لأنه وببساطة لا توجد صناعة سينما في فلسطين. وبالتالي عندما بدأ الفلسطينيون بالإخراج بدؤوه بشكل مستقل فيما يعرف بسينما المؤلف. كذلك يلعب الواقع المعاش في منطقتنا دوراً كبيراً في طبيعة إنتاجاتنا السينمائية. فالواقع الصعب وغير العادل في فلسطين ينطوي عن أسئلة وتناقضات تدفعنا (كفلسطينيين) إلى السينما التي تطرح سؤالاً.

ماذا درست أساساً؟ من أين كنت تحصل على التمويل للأفلام التي أنتجتها؟   

لم أدرس السينما قط، بل تعلمتها من الحياة. فقصتي مثل قصة آلاف الفلسطينيين، درست إدارة الأعمال،إلا أن السجن حال دون تخرجي. وما أن أطلق سراحي حتى اندلعت الانتفاضة، فنزلت إلى الشارع لأصور أحداثها، وكان ذلك أول اتصال لي مع السينما. ومنذ ذلك الحين وأنا أعمل في السينما؛ سواء كمنتج أو مخرج؛ إلا أن ما دفعني إليها هو شغفي فيها، وليس الدراسة، فصناعة الفيلم ليست كمعادلة رياضية، إذا طبقتها بشكل صحيح حصلت على فيلم ناجح. إن ما تحتاجه السينما هو إحساس عالٍ وموهبة وشغف.

أما فيما يتعلق بالتمويل؛ فباستثناء بعض الأفلام التي يخرجها شباب بكاميرات مستعارة وبالتعاون مع أصدقائهم الذين يتطوعون للتصوير والمونتاج؛ لابد من توفر مبلغ كبير من المال لإنتاج مشروع فيلم كبير. لابد هنا من اللجوء لمصادر تمويل مختلفة، كالبيع المسبق لتلفزيونات دولية وصناديق دعم السينما، والتي هي بمجملها أجنبية. فللأسف، الاستثمارات الوحيدة في مجال السينما في الوطن العربي توجه للاحتفاليات السينمائية وليس للأفلام.

من المفترض أن مال الدولة يعود للشعب، ويشكل المفكرون جزءاً أساسياً وريادياً في تطور أي بلد وبالتالي لابد من دعمهم. إلا أنني أظن أن ذلك مرتبط بالسياسة، فالسينما المستقلة تقوم على حرية التعبير، والدول العربية لا تدعم إلا الأصوات التي تؤيدها. لكن ربما هذا أيضاً في طريقه إلى التغيير.

كنت منتجاً وانتقلت إلى الإخراج مع “ارتجال” (2005)، والذي كان علامة فارقة في قصة حياتك، وربما أيضاً في قصة التسجيلي الفلسطيني. فيلم عن وطن تحت الاحتلال لا يتناول القضية من منظور سياسي مباشر ولا يجنح إلى تكرار ما سبقه، ما أصبح اليوم بحد ذاته البحث الرئيسي لكثير من التسجيليين في فلسطين… كيف نشأت فكرة “ارتجال”؟ 

السينما الفلسطينية، في الواقع، هي “فشة خلق”! فبدلاً من رشق دورية جيش إسرائيلية بالحجارة، لجأ بعض المخرجين الفلسطينيين إلى صناعة فيلم يهاجمون من خلاله هذه الدورية أو إسرائيل. لكن هذا ليس بسينما. ففن السينما هو فن سرد الرواية، ويمكنك سرد الرواية ذاتها بمئة طريقة مختلفة. إلا أن الظروف القاسية في ظل الاحتلال الإسرائيلي وانطلاق السينما التسجيلية من منظمة التحرير الفلسطينية جعل منها سينما شعارات. وهذا لا يقلل من أهميتها، فتلك الأفلام هي جزء هام من الثورة الفلسطينية. إلا أنه مضى وقت طويل حتى أدركنا كفلسطينيين أن على الفيلم تحدي العقل ومخاطبة المستوى الحسي في آن واحد، والابتعاد بالتالي عن سينما الشعارات والتوجه للبحث عن التفاصيل الصغيرة. فالسينما هي التفاصيل، القصة الشخصية وليس الصورة الكبيرة. هي محاكاة تجارب شخصية يمكن للمشاهد التفاعل معها وبالتالي التأثر بها أكثر من تأثره بالشعارات العامة.

تربطني بعائلة جبران (شخصيات الفيلم الأساسية) صداقة قديمة وقد شهدت الميلاد العسير لفرقتهم الموسيقية واستفزتني قصتهم التي شعرت أنه لابد أن تروى.

يعايش “ارتجال” آل جبران الموسيقيين الفلسطينيين المعروفين، ويتمكن بشكل لافت من تتبع خطوط درامية داخلية في حياة العائلة، تطور الأخ الأصغر، علاقته بأخيه الأكبر، الدراسة في ايطالية، السعي نحو الحفلة في باريس وانتهاءاً بالحفلة نفسها… كيف صنعت هذه الخطوط داخل الفيلم؟ هل أخلصت للتتابع الزمني (الكرونولوجيا) تماماً؟ كم ساعة من المواد صورت وكم استغرق المونتاج؟ 

استغرق تصوير الفيلم عاماً كاملاً. اعتمدت في الشهور الستة الأولى منه على التمويل الذاتي مستعيناً بأخي وأصدقائي لتأمين المعدات والتصوير. صورنا ما يقارب ال150 ساعة، ثم استخدمنا ما صورناه للترويج للفيلم وطلب التمويل، فنجحنا بتوقيع عقد بيع مسبق لتلفاز أرته ARTE الفرنسي والحصول على دعم إنتاجي من صندوق سندانس، ومن فنلندا ومن محطة تلفاز أوسترالية مما ساعدنا على إتمام المونتاج، والذي استغرق عاماً آخر.

اعتمدت نوعاً ما على التتابع الزمني، لأنني كنت أتابع تطور شاب في الثامنة عشر من العمر، فكان لابد من اللجوء للكرونولوجيا حتى لا يضيع المشاهد.  أخذت الكاميرا في “ارتجال” دور المراقب الحيادي والمتأني أو وجهة نظر “ذبابة على الجدار” (انظرإلى الصفحة …..) التي تصور الواقع كما هو، فإن جلسة التدريب الأولى للأخوة الثلاث وأول ظهور لهم معاً على المسرح كانا الأوليين بالفعل. إلا أنني عملت على إعادة خلق الواقع من خلال خلق الظروف المناسبة لدفعهم للحديث عن المواضيع التي أريد تناولها.

كما ساعدني قربي من العائلة على نقل تفاصيل هذه المشاهد بحميمية وعفوية يصعب تحقيقها إذا ما كان المخرج غريباً عن الشخصيات التي يصورها. وهذا ما جعل المشاهدين يتفاعلون بشكل أكبر مع الأخوة جبران. فأكثر ما يؤثر بك عند مشاهدة فيلم هي علاقتك مع الشخصيات التي تظهر فيه.

فيلمك الجديد “FIX ME” عرض في دبي وفي سندانس… ماذا تحدثنا عنه؟  

أرى أن الأفلام المهمة هي تلك التي تبحث عن الجديد. لذلك حاولت خوض تجربة جديدة من خلال فيلم مبني على فكرة بسيطة إنما عميقة لم يتطرق إليها أحد من قبل. إذ قررت خوض تجربة سايكولوجية صعبة من خلال الخضوع لجلسات علاج نفسي. وطلبت إلى المصور تثبيت الكاميرا خلف زجاج عاكس (يسمح بالرؤية من جهة واحدة فقط) حتى لا يفسد وجودها عفوية الجلسة.

هو فيلم مركب جداً ومختلف تماماً عن “ارتجال” إذ يطرح أسئلة عامة عن الحياة، وأخرى صعبة يفضل الناس تجاهلها لعجزهم عن مواجهتها. كما يختلف أسلوبه الذي يمزج بين الخيال والواقع.

هل ترغب بالعودة إلى الإنتاج مجدداً؟ أم أنك تعمل باتجاه فيلم جديد؟

إنني حاضر للعمل في أي مجال يثيرني، وبالتالي كل شيء ممكن. ربما ابتعدت قليلاً عن الإنتاج، إلا أنني مازلت على مقربة منه من خلال تعاوني مع شركة الدار للإنتاج السينمائي التي يملكها أخي في رام الله. كما شاركت زوجتي المنتجة الفرنسية بالمير بادينييه في تأسيس شركة زينة للإنتاج السينمائي Les Films de Zayna”” والتي تعمل على إنتاج أفلام من العالم العربي.

 نشرت هذه المادة في  تفاصيل، وهي نشرة مجانية فصلية مختصة بالتسجيلي تصدر عن أيام سينما الواقع