مقاربة أزمة مياه البحر الأبيض المتوسط

لقد شاركت في التقرير السنوي الذي تحضره ريفولف ووتر حول تحديات ندرة المياه في منطقة البحر المتوسط والشرق الأوسط، حيث قمت بزيارة منطقة المرية الإسبانية والبحث حول ثمن ري السهول الجنوبية لأوروبا.

يمكنك تحميل نسخة من المقال هنا، أو قراءة تقرير ريفولف ووتر “المياة حول البحر المتوسط 2016” الكامل هنا

Advertisements

الموت على فرو ناعم، مقال رأي لمحمد دريوس

Evening over Damascus Syria

بات هناك سوريتان، سوريا الذاكرة، وسوريا الحاضر والفارق بينهما يتسع كل يوم. يرسم محمد دريوس إحساس أن تعيش في دمشق اليوم. 

منذ أول قذيفة ثورية سقطت في المدينة، قررنا أن غرفة ابنتي الصغيرة، في زاوية المنزل، هي الغرفة الأكثر أماناً، ذلك أنها تقع في أقصى جنوب البيت، بعيدة عن الشمال الذي تأتي منه الهدايا المميتة. ونافذتها الوحيدة محمية بجدار جارنا الذي انتهز فرصة التسيب، وبنى طابقا كاملا، أغلق علينا الهواء القليل، لكنه أيضا حمى الجهة الجنوبية للبيت. للفوضى حسناتها أيضا

والغرفة هذه بألوانها المتعددة كما يليق بطفلة، بدباديبها وأرانبها وباربياتها، تمثل أفضل مكان للموت. ماذا أطلب أكثر من موت على فرو ناعم؟

وضعنا التعليمات التي اتفقنا عليها بوجوب الهروب الى الغرفة المحصّنة كما سميناها عند الشعور بأي خطر، إضافة إلى اقناع ابنتي الصغيرة ــ وهذا كان الأصعب ــ بأن أمها هي المسؤولة عنها اذا حصل شيء. لا أظن أني الوحيد الذي كتب وصية أو عبّر عنها شفهياً على الأقل، ذلك أن موتا صغيرا غامضا ومفاجئاً ينتظر كل سوري. كنت مصرّاً على عدم وهب أحذيتي التي جمعتها بكثير من العناية لأحد. الأحذية كائنات لطيفة، تفاعل رائحة الأقدام والجلد يصنع إلفة خاصة بي لا أرغب بإهدارها، لا أريد أن أمشي بأقدام أحد

تسمح لنا فترات التقنين الكهربائية بدوام لا يتجاوز الثلاث ساعات، بعدها نذهب إلى شؤوننا الشخصية بالأجر الذي تسمح به الثلاث ساعات. ثلاث ساعات من العمل القليل أصلاً لنستحق راتبنا الذي هو أقل. التقنين طاول ليس فقط قدرتنا على تدبر شؤون حياتنا بل أيضا مقدرتنا على التنفس دون ألم، كأنه تقنين هوائي أيضاً. عمل أقل يساوي أجراً أقل، يساوي كحولاً أكثر، ومشادات عائلية أكبر. تقنين ثلاثي، الثلاثة رقم مقدس في الكثير من الديانات والمذاهب، عند المسيحيين وعند العلويين أيضا، ربما لهذا اعتمدته الدولة، يجعلنا أكثر قدرة على التحمّل وعدم الاعتراض، ويقولون ان الدولة لا تحابي الأقليات. صرنا نرتب حياتنا ثلاثا ثلاثا، نعطي المواعيد الخارجية في ثلاث العتمة والمواعيد الداخلية في ثلاث الضوء، نذهب إلى العزاء في ثلاث مغايرة عن ثلاث التهنئة، يجب أن أرتب موتي في ثلاث مناسبة، من هو الأحمق الذي سيغادر بيتاً فيه كهرباء ليقدم تعازيه؟

بدأنا مشاريع التقشف التي تتناسب مع انحدارنا الى مصاف الفقراء، تخلينا عن برجوازيتنا الصغيرة التي بدأت مع الانتهاء من سداد أقساط المنزل، تخلينا عن نعمنا الصغيرة، مباهجنا التافهة التي كانت تجعل الحياة أسهل. بدأنا بتبديل نوعية التبغ الذي نستخدمه، زوجتي باتجاه نوعية رخيصة لكنها أنيقة، وأنا باتجاه التبغ البلدي الذي تصنع رائحته مزيجاً من الاختناق والازعاج. ثم النسكافيه، مشروبنا الأثير، استبدلناه بنوعية هندية بربع السعر والطعم، ثم مبيض القهوة الذي استبدلناه بدوره بنوع سعودي بادئ الأمر، ومن ثم بنوع أرجنتيني أرخص. عندما أجلس صباحا لأتناول قهوتي مع سيجارتي الأولى غالبا ما أتساءل ماذا أشرب فعلا بحق الجحيم؟ ثم يقودني الأمر لأفكر إن كانت هذه حياتي فعلا أم أنها حياة مستبدلة بنوعية أرخص؟

استبدلنا كلّ شيء بشيء أرخص، ولم يتأخر التجار عن موافاتنا بالبدائل: لحم جواميس هندي يأتي طافحاً بالشحوم الثلاثية والكوليسترول وو.. والجراثيم أيضا؛ سكّر بلا منشأ تحتاج إلى ضعف الكمية المعتادة منه لتحلية كأس شاي؛ بنزين خفيف، لا أعلم من أي بئر غبية أتى، تسير به السيارات نصف المسافة، ملابس صينية تختلف قياساتها عن قياساتنا، إذ يحتاج الشخص المتوسط الحجم إلى قياس XXL. أحذية مستعملة، ألبسة داخلية مستعملة، هواء مستعمل، لكن لا كرسي ليقعد فيه الرجل، معلبات مجهولة المصدر، بضائع في أغلبها مجهولة المصدر، وحده الموت يأتي واضحاً، بمصدر موثوق به وبشهادة منشأ موثقة.

أنظر إلى ابنتي النائمة بوداعة وأخاف أن يجري استبدالي، والحال كذلك، بأب أرخص، قليل الصراخ والطلبات.

في الفترات التي يسمح لنا بها المتحاربون بالهدوء والكفّ عن التفكير في الموت الآتي، أنصرف الى قصائدي القليلة التي كتبتها في الفترة الماضية. أزيد عليها بقع دم وجثامين، جنازير ومدرعات وعربات محطمة. شيئا فشيئا تتحول القصائد إلى بيانات غاضبة، أو إلى مراثٍ حزينة. كل يوم أكتشف مفردة دامية أخرى أحشرها في القصيدة. شيئا فشيئاً تتحول أغصان الزيتون والفراشات والأزهار العطرة إلى جثث متعفنة وجماجم مفتتة وأقفاص صدرية مخسوفة، إلى بيوت بلا سطوح وشوارع رمادية. أرغب في أن أقول لزوجتي أحبكِ، فتخرج الكلمة على شكل نصل دامٍ. أرغب بتقبيل ابنتي فيبقبق الدم من شفتيّ.

نمارس حياتنا بربع الحواس المطلوبة. عين على الشريط الإخباري وعين على المصباح، أذن مع الضجة المخيفة في مكان وقوع القذيفة، وأذن مع المذيعات المتجمّلات، يد على جهاز التحكم ويد على كوب القهوة الباردة. نسرق قبلات مختنقة، عناقا سريعا يشبه عناقات اللصوص المطاردين، ممارسة خائفة سريعة. دقائق وينتهي كل شيء، في آخر مرة سقطت فيها القذيفة في الشارع المجاور قبل الانتهاء بدقيقة، كان الصوت مخيفاً لدرجة أني أيضاً تقلصت إلى ربع حجمي العادي، اعتذرت عن فشلي وانتحيت ركنا أدخن فيه.

الحرب لا تدعني أنهي ممارسة الحب بطريقة لائقة.

نقلاً عن موقع الأخبار.

أم كرتون Oum Cartoon

I had real fun looking through Jonathan Guyer´s blog about Arabic comics. He translates and gives the political or social background of each piece, which makes it a great source for those intereseted in the region´s comics and caricatures, who don´t speak the language.

Here is a selecion of caricatures that I liked.

استمتعت كثيراً بقراءة مدونة جوناثان غاير حول فن الكاريكاتير والكوميك العربي. مدونة أم كرتون مفيدة بشكل خاص للأجانب المهتمين بالكاريكاتير والكوميك العربي ممن لايتكلمون العربية خاصة وأن غاير يشرح الخلفية السياسية والاجتماعية لكل قطعة.

هذه “تشكيلة” احببتها.

 

"I’m married to two women… Can you cut off this head… and fix it to this body?" Abdallah / Al-Masry Al-Youm / 7 September 2014

“I’m married to two women… Can you cut off this head… and fix it to this body?”
Abdallah / Al-Masry Al-Youm / 7 September 2014

"In the morning, Ahmed and Hossam go to the university… In the evening, Ahmed and Hossam return from the university.”  By Anwar for  Al-Masry Al-Youm

“In the morning, Ahmed and Hossam go to the university…
In the evening, Ahmed and Hossam return from the university.”
By Anwar for Al-Masry Al-Youm

"The Formation of the New Cabinet" by Makhlouf’

“The Formation of the New Cabinet” by Makhlouf’

Description of the New Protest Law: "And outside this area, I am not responsible for what happens to you," says the officer. Anwar, Al-Masry Al-Youm, October 2014

Description of the New Protest Law: “And outside this area, I am not responsible for what happens to you,” says the officer.
Anwar, Al-Masry Al-Youm, October 2014

"Which soap operas are you watching this Ramadan?" "Egypt."  By Khalid Albaih

“Which soap operas are you watching this Ramadan?”
“Egypt.”
By Khalid Albaih

"DISASTER! I forgot the name of the candidate I was gonna vote for!" Abdallah / Al-Masry Al-Youm / 28 May 2014

“DISASTER! I forgot the name of the candidate I was gonna vote for!”
Abdallah / Al-Masry Al-Youm / 28 May 2014

لدي جرح في سوريا، ساعدني على تضميده. تحرك!

بدت عن بعد وكأنها لوحة إعلانية لأحدث بنطال  ليفيز، إعلان طرقي في مدريد عليه فتاة شقراء نحيلة ترتدي الجينز كاشفة عن كتفها اليمين بحركة إغراء غير متكلفة. عند اقترابي فقط لاحظت الجرح المرسوم على كتفها. دققت النظر حائرة لاكتشف أن الفتاة هي مقدمة البرامج التلفزيونية الإسبانية الشهيرة آن إيغارتيبورو وأقرأ بالإسبانية: لدي جرح في سوريا، ساعدني على تضميده. تبرع!

آن إيغارتيبورو هي واحدة من ثلاثة شخصيات إسبانية شهيرة تعاونت مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لإطلاق حملة لجمع التبرعات في إسبانيا لصالح لاجئي الحرب السورية. إن حالة التشويش هذه التي تخلقها رؤية جرح على كتف فتاة في إعلان طرقي كمثل آلاف الإعلانات التي تريد إقناعنا يومياً باقتناء أحدث موبايل، حقيبة أو فستان هي بلا شك نقطة قوة لحملة جمع تبرعات لأنها تنجح باستيقاف المارة لقراءة النص وفهم ما وراء هذا الجرح و بقليل من الحظ قد يمدون يدهم في جيوبهم ويتبرعون عن طريق الموبايل. إلا أن الأسلوب الدعائي هذا الذي اختارته الحملة يكرّس سياسة إعلانية تجعل من التبرع، مثله كمثل اقتناء أي منتج “ساخن” في السوق، آخر تَوَجُه في الموضة، والأزمة السورية هي بلا شك “أدرج أزمة انسانية” حالياً هي والأوكرانية.

إعلان آن إيغارتيبورو لجمع التبرعات لصالح لاجئي الحرب في سوريا

إعلان آن إيغارتيبورو لجمع التبرعات لصالح لاجئي الحرب في سوريا

شرحت لي صديقة مصوِرة عندما سألتها بسذاجة، لا أفهم لماذا تستخدم مؤخراً الماركات العالمية للثياب في حملاتها الإعلانية صوراً بالكاد نرى فيها الثياب التي يهدفون لبيعها، بأن الحملات التسويقية الحديثة لا تُسَوق المنتج نفسه إنما الإحساس الذي يضفيه. ارتداء ثياب الماركة الفلانية يجعلك شببلك، ماركة أخرى تجعل منكِ امرأة مغرية وارتداء هذه الساعة سيعطي مَن حولَكَ الانطباع بأنك رجل أعمال جدي. في إسبانيا، للموضة أهمية خاصة. الثياب التي ترتديها، قَصَة شعرك، طول لحيتك هو جزء من شخصيتك، ودلالة على توجهك الإيديولوجي، السياسي، الاجتماعي أو حتى الجنسي. يتسلى زميل إسباني بالشرح لي عن توجهات المارة في شارع مقتظ في مدريد. هل تَرَين بنطال هذا الشاب المكفوف إلى ما فوق الكاحل ولحيته القصيرة؟ إنه من الحديثين، الحذاء ذا تصميم “الناوتيكو” الذي يرتديه الآخر يدلل على أنه ينتمي غالباً إلى الطبقة الغنية المحافظة، ثياب تلك الفتاة الفضفاضة وشالها المحاك يدوياً لا يدعون مجالاً للشك بأنها “هيبي” ويختم حديثه ضاحكاً بأنه من المستحيل أن يحمل حقيبة لأن ذلك “مُثليٌ” للغاية.ارتداء الكوفية الفلسطينية في إسبانيا لا زال دلالة على أن لابسها من اليساريين ولا يعني بالضرورة بأنه مهتم بشكل خاص بالقضية الفلسطينية. التبرع للاجئي الحرب في سوريا يجعلك شخصاً حديثاً ومتطلعاً و”ملتزماً” بالقضايا الإنسانية العالمية. حملة التبرعات هذه تبدو لي واحدة من كثير الحملات التي ترسخ أن على الشخص استهلاك “المنتج الفلاني” لينتمي إلى الفكر أو المجموعة المجتمعية الفلانية.

إن ما يحتاجه السوريون مثلهم كمثل غيرهم من سكان مناطق الحرب حول العالم ليس الحزن البادي على وجه الناس عندما تخبرهم بأنك قادم من سوريا أو مساعدات لا تكفل للاجئين في المخيمات حياة كريمة إنما تبقيهم على الحد الفاصل ما بين الحياة والموت. ما يحتاجونه ليس حملة إعلانية تجعل العالم يشعر بالرضا لأنه ملتزم بقضايا المساكين، بل حملة توعية حقيقية حول ما يجري تماماً في سوريا وإرادة سياسية حقيقة للتوقف عن دعم هذه الحرب وحل الأزمة بشكل فوري وعلى الأرض وإنهاء معاناة السوريين بشكل نهائي.

شباك رقم ١، من مذكرات سورية مكتئبة

   صادفت هذه التدوينة على مدونة مذكرات سورية مكتئبة وجذبتني بشدة لما تعكسه من تعقيدات سن المراهقة وعلاقة الأفراد بالجنس في ظل مجتمع محافظ كالمجتمع السوري.  أسلوب بسيط وجميل جداَ. استمتعوا بالقراءة.

” ياله من صباح خريفي كئيب” قالت ليلى في نفسها أثناء شربها لفنجان قهوتها بجانب شباك شقتها الصغيرة بالأشرفية، وبينما كانت تراقب المارة بحثاً عن قليل من التسلية في هذا النهار الممل، سمعت صوت جارتها “ناتالي” الخمسينية وهي توبخ زوجها جورج لنسيانه طقم أسنانه فوق طاولة المطبخ على مسمع من كل الجيران. مما أخذها بعيداً نحو صباح يوم أحد مشابه لهذا اليوم بالضبط منذ عشر سنين خلت

يومها نهضت ليلى من سريرها مسرعة نحو الشباك عندما سمعت صراخ والدتها قادماً من أسفل الشارع، ظناً منها بأنها قد تكون متورطة في شجار مع جارتها أم طوني في الطابق الأرضي بسبب عملية شطف الشرفة الأسبوعي الذي غالباً ما تبدأ نهار العطلة به دونما اهتمام بمن يجلس في الحديقة تحت الشرفة التي تحاول تنظيفها

ولكن ما رأته من النافذة كان مدهشاً للغاية ومختلفاً كلياً عما كانت تظن بأنه سيكون عليه في البدء; كانت أمها ممسكة بالأذن اليمنى لشاب لا تعرفه، يتلوي بجانبها من الألم، بينما كانت توبخه بصوت عال:
-مش عيب عليك، قد أمك أنا
-طنط واللهي مش قصدي، إجت عيني بالغلط
-بالغلط، مهيك؟ وهيدا شو هيدا

ونظرت بين قدميه، فغطى المنطقة بيديه بارتباك وبدأ لونه بالتحول من الحنطي المائل نحو البياض إلى اللون الوردي المتشح بالاحمرار وصرخ:
-واللهي مش عليكي طنط
فضربته بحقيبتها السوداء بحنق شديدِ وبدأت بالصراخ بأعلى صوتها
-مش علييي، على مين عم تبصبص يا عكروت يا قليل الأدب
صمتت قليلاً بينما كان صوت صراخ الشاب يملأ الحي، ثم صرخت مجدداً
-ابن مين انت، آه؟؟

وبينما كاد أن يغمى على ليلى من كثرة الضحك، التقت عينيها بعيني الشاب الذي كان شارباه في بدء نموهما فوق شفتيه. في تلك اللحظة، تسمرت هي وابتسامتها في مكانها فجأة، بينما نفض الشاب يد والدتها من على أذنيه ووقف بانتصاب في مكانه
-طنط عيب عليكي تتهمي ولاد الناس كيف منكان، بس تتحسي إنك صبية يعني

وبدل أن تنهال والدة ليلى عليه بالضرب مجدداً، نظرت في عينيه مشدوهة وغرقت في صمت طويل..

أطرقت برأسها قليلاً، ثم نظرت إليه مجدداً، ونظرت بعدها إلى الشارع الضيق الطويل التي كانت ابنتها واقفة على شباك منزلها في نهايته. عدلت هندامها، ومضت في طريقها إلى المنزل دون أن تنبس بحرف، بينما ظل الشاب معلقاً ما بين وجه ليلى الشاحب وما بين ظهر أمها التي كانت تمشي بتثاقل وبطء..

 يمكنكم قراءة المزيد من تدوينات مذكرات سورية مكتئبة هنا.

فيلم رجال المدينة للمخرج البريطاني مارك أيزاكس

مشهد من فيلم رجال المدينة للمخرج البريطاني مارك آيزاكس

مشهد من فيلم رجال المدينة للمخرج البريطاني مارك آيزاكس

مدير مالي في بورصة لندن، موظف تحصيل ديون وعامل يومي يحمل لافتة مطعم. ثلاثة رجال من خلفيات ثقافية، اجتماعية وعائلية مختلفة لا يجمع بينهم سوى المال، أو بالأصح الجري الحثيث لتحصيله.

يسلط المخرج البريطاني مارك آيزاكس من خلال تصوير حياة الرجال الثلاثة الضوء على تبعات النظام الاقتصادي العالمي الذي جرّد العاملين الراكضين وراء لقمة العيش من إنسانيتهم فباتوا محكومين بشريعة الغاب حيث البقاء للأقوى. هي رسالة عبّر عنها آيزاكس بحرفية كبيرة من خلال تصويره ليوم عمل في بورصة لندن. فصوّر لقطات قريبة لوجوه الرجال المتربصة، ولحركات أيديهم التي هي أشبه بإشارات حرب سرعان ما تندلع ليصور لنا جلسة المضاربة التي ينقضّ  خلالها المضاربون على هواتفهم وتعلو أصواتهم  بالصراخ الذي يمزجه المخرج بأصوات حيوانات الغابة. مشهد برّي عنيف تبلغ تعبيريته ذروتها في لقطاته الأخيرة التي تصور عن قرب آثار جروح قديمة تعلو وجوه المضاربين المنهكة.

تتخلل مشاهد الفيلم الذي يتنقل باستمرار ما بين حيوات الرجال الثلاثة، لقطات مختلفة للمطر. فتارة نتابع قطرات المطر المتدافعة بقوة على الزجاج، وتارة أخرى نراها خيوطاً من المياه التي تشبه في اصطدامها بالأرض خيوط الشرار المتطاير. وأخيراً نتتبعها سيولاً تعصف بنهر التايمز. تضفي مشاهد المطر تلك مصحوبة بموسيقا تصعيدية إحساساً بالضيق في مدينة يغرق سكانها في دوامة الأزمة الاقتصادية! فكما العامل البنغالي الذي يجلس معانقاً لافتة المطعم طوال النهار حتى تدق ساعة الاستراحة فيركض مسرعاً إلى أقرب مطعم ليأكل ما تسنى له من الطعام ويهرول عائداً قبل أن تنقضي استراحته القصيرة، كذلك يصور آيزاكس الحياة في ظل الأزمة الاقتصادية؛ حياة مقتضبة يعيشها الناس في الوقت المستقطع من العمل.

   بعيداً عن الرجال الثلاثة يأتي الزبال، رجل متنسك يكنس شوارع لندن بهدوء متأملاً وجوه المارين المتعبة سائلاَ:

«كيف يمكن لزبال أن يستمتع بعمله. عليه أن يكون تعيساً! هكذا يتوقع منك النظام أن تكون! وهكذا هم غالبية الناس الذين ستجدهم في شوارع المدينة. هم يشعرون بأن علي أن أكون تعيساً، لكن لم عليّ أن أكون كذلك؟»

ربما سؤال الزبال هذا هو «زبدة» الفيلم الذي ختمه المخرج برومانسية تتناقض مع سياق الفيلم القاتم. فما أن يستقيل موظف تحصيل الضرائب من عمله ويُخرج دراجته النارية المنسية لسنوات في كراج المنزل ليمارس هوايته القديمة، وما أن تتعالى ضحكات أطفال المدير المالي وهم يتخذون وضعيات مختلفة ليصورهم والدهم الذي نادراً ما تتسنى لهم رؤيته، حتى تتلاشى الغيوم الداكنة من السماء ويبزغ قوس قزح جميل آذناَ بأفول الأمطار.

لا رمان في طهران، فيلم للمخرج الإيراني مسعود بخشي

لارمان في طهران للمخرج مسعود بخشي | إيران 2006، 67د

لارمان في طهران للمخرج مسعود بخشي | إيران 2006، 67د

“طهران تبدو مدينة جميلة لكن أهلها سيئون!” تقول غولنار لحبيبها الذي عرض عليها السفر معاً إلى طهران في مقطع من فيلم قديم افتتح به الم الإيراني مسعود بخشي فيلمه “لا رمان في طهران”. هذه الجملة هي زبدة الفيلم (إن صحّ التعبير) الذي يقص تاريخ هذه المدينة “الجميلة” و ما تعرضت له من تخريب و تشويه بسبب السياسات غير المدروسة التي اتبعتها الحكومات المتتالية في إيران.

لكن ولكل من يكره دروس التاريخ المملة، اطمئنوا فلستم بصدد تلقي محاضرة مطوّلة عن تاريخ طهران منذ القرن التاسع عشر و حتى اليوم! يسلط بخشي الضوء على أهم مراحل تطور طهران بأسلوب فكاهي ومميز، يخفف من وطأة المشاكل السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية التي يستعرضها، حيث يعرض فيلماً داخل فيلمه يلعب فيه دور مخرج (هو بخشي ذاته) يتوجه إلى مركز طهران للأفلام الوثائقية و يشكي لهم الصعوبات التي واجهها في تصوير فيلمه و يعرضه على المشاهدين مقدما لهم أرشيفاً لا مثيل له من الصور و مقاطع الفيديو النادرة التي تشكل وثائقاً تاريخية هامة عن طهران.

رغم أنه اعتمد الترتيب الزمني في عرض هذه الوثائق إلا أنه يعيد المشاهد كل تارة و أخرى إلى الحاضر من خلال بث صور عن طهران اليوم محفزاً المشاهد للمقارنة بين الماضي و الحاضر. كذلك ينتقد الرقابة الإيرانية من خلال سرده للوقائع كأنه يقرأها من كتاب تاريخ منقّح و موافق عليه من السلطة ممتدحاً أمجاد الدولة بنبرة متهكمة في حين أن الصور الوثائقية التي يعرضها تنافي ذلك تماماً. يصل نقد الرقابة إلى ذروته عندما ينقطع الشريط السينمائي كلما تسلمت فئة جديدة الحكم و يتلف بشكل نهائي عند تشكل الجمهورية الإسلامية عام 1979.

في حين يستعرض بخشي عوائق التطور في طهران من بيروقراطية و التشبث بشبح الحرب الإيرانية العراقية الذي يدفع العاملين في الوزارات و مراكز الدراسات إلى إهمال عملهم للاحتفال بهذه “المناسبة القومية”، ينتقد مظاهر التطور من صناعة السيارات و الأبنية الحديثة التي تسبب التلوث و القضاء على المساحات الخضراء في المدينة و يحذر من إعادة مأساة زلزالي رودبار و بام في عامي 1991 و 2003 الذين ذهب ضحيتهما 5 ملايين شخص بسبب البنية القديمة و المتهالكة لطهران و الأبنية الجديدة ذات النوعية السيئة التي هي طبعاً ذنب العمال الأفغان و الأكراد الذين يعملون في البناء و ليس الحكومة!

ختاماً، يعيد بخشي إلى أذهاننا غولنار الرافضة للسفر إلى طهران بسبب سوء أهلها عندما يخبرنا جعفر (أحد الممثلين) أنه رغم حبه لطهران و رغبته في الإقامة فيها عليه الرحيل على أمل العودة إليها في المستقبل.

لكن ما علاقة الرمان بكل هذا؟ يصاب المخرج بالإحباط بعد عرض فيلمه و يقرر أن تصوير فيلم وثائقي عن طهران هو مضيعة للوقت! لذلك يعد مركز طهران للأفلام الوثائقية بأن يصور فيلماً عن الرمان الذي اشتهرت بزراعته طهران منذ قرون و الذي لا مثيل لحلاوته و كبر حجمه و لونه القرمزي في العالم. الرمان الذي، هو الآخر، جف و انقرضت زراعته في طهران!

“لا رمان في طهران” هو فيلم لابد من رؤيته لكل من يود الاطلاع على طهران الماضي و الحاضر، الاستمتاع بفيلم عالي الجودة، و الضحك بصدق، كل هذا خلال ساعة واحدة فقط!

مشهد من فيلم لارمان في طهران للمخرج مسعود بخشي

مشهد من فيلم لارمان في طهران للمخرج مسعود بخشي

مسعود بخشي:

بالإضافة لدراسة الإخراج السينمائي في إيطاليا 1999، تعلم المخرج الإيراني مسعود بخشي التمويل الثقافي في فرنسا عام 2005 وكان قد حصل على بكالوريوس في الهندسة الزراعية في إيران عام 1995. يعمل بخشي اليوم كناقد و كاتب و منتج سينمائي.

حاز على جائزة أفضل مخرج في مهرجان الفجر الخامس و العشرين و مهرجان بيت السينما الحادي عشر كما حصل على جائزة أفيني عن أفضل فيلم .تسجيلي لعام 2007 و جائزة الجمهور في مهرجان سينما فيرتيه الدولي للسينما التسجيلية في العام ذاته

نشرت هذه المادة في”وجهة نظر” النشرة اليومية الصادرة عن مهرجان سينما الواقع للأفلام الوثائقية .