نص عن العسكرة للكاتب الإسباني ماريو كويستا هيرناندو

هذا النص للكاتب الإسباني ماريو كويستا هيرناندو عن العسكرة نُشر في كتاب “جنود من حديد” الذي طبعته الفنانة الأردنية آلاء يونس في إطار عملها التركيبي “جنود من حديد” الذي يتناول العسكرة موضوعاً له وتم عرضه في بينالي غوانغجو 2012 في كوريا الجنوبية. قمت بترجمة النص عن الإسبانية. 

النص هو جزء من مذكراتي التي كتبتها خلال زيارة بقصد المتعة إلى لبنان. لذلك، كل ما ورد فيه حقيقي.

لا تعود هذه الصورة لرحلة الكاتب، وإنما تم التقاطها في رحلة منفصلة من قبل المصورة جولي

لا تعود هذه الصورة لرحلة الكاتب، وإنما تم التقاطها في رحلة منفصلة من قبل المصورة جولي

23 سبتمبر 2011

هذا الصباح كان مزاجي معكّراً. نسيت شحن بطارية الكاميرا. اليوم ذاهب إلى بعلبك بآثارها الرومانية المهيبة، ولن أستطيع التقاط حتى صورة واحدة للذكرى.

فضلاً عن آثارها، تشتهر بعلبك في الشرق الأوسط بموردين هما محل تقدير جزء من السكان: النبيذ وحزب الله.

لا يمكنني التبجح بأن تناول نبيذ البقاع يخلّف في فمي انطباع نكهة البلوط، لأنني أدخن منذ إقامتي في لبنان علبة سجائر جيتان يومياً والانطباع الوحيد الذي يخلّفه كل ما أتناوله هو نكهة مِنْفَضَة. لكن يبدو أن الخمور هنا أكثر من صافية. عن حزب الله لا أعلم إلا ما يرويه الصحفيون الإسبان، الذي هو عبارة عن خليط مشوش من الألقاب التي تتراوح ما بين إرهابيين، وبرلمانيين، ومقاومين ضد الإحتلال الإسرائيلي. بما أن حزب الله نشأ في وادي البقاع، بدا لي أن بعلبك قد تروي فضولي بعض الشيء حول هذا الحزب – المليشيا.

ترجّلت من السرفيس عند بوابة الآثار الهائلة. لفت انتباهي عدم وجود أي ملصق يحمل سحنة نصرالله أو أي من مقاتلي المليشيا. جرت العادة في المدن اللبنانية الأخرى على أن تغطي وجوه الشهداء واجهات المباني. كان لدي إحساس بأن هذا الغياب للمصلقات هو إتفاق ضمني تكتيكي لعدم ترويع السيّاح. تأكد احساسي فور مغادرتي للشوارع المجاورة بحثاً عن مكان أنيس لتناول وجبة الطعام. على الفور ازدانت الجدران بملصقات تحمل وجوه سياسيين كبار في السن وجنود شباب.

  لا تعود هذه الصورة لرحلة الكاتب، وإنما تم التقاطها في رحلة منفصلة من قبل المصورة بويا

لا تعود هذه الصورة لرحلة الكاتب، وإنما تم التقاطها في رحلة منفصلة من قبل المصورة بويا

لآثار بعلبك مقاس مذهل، بأروقتها اللانهائية وأعمدتها التي تطاول السحاب. هي عبارة عن هيكل روماني بُنيَ على أنقاض معبد يوناني شيّده اليخاندرو ماغنو للرب هيليوس، الذي بدوره أزاح الرب بعل معبود السكان المحليين. على أطلال الهيكل الروماني رُفِعَت لاحقاً بازيليكا مسيحية وعلى أطلال البازيليكا جامع أموي. كل امبراطورية تبجّحت بعظمتها على رفات الآلهة التي غزتها. من المنطقي أن ينتصب اليوم في الموقع مسجد شيعي.

المسجد لم يكن كبيراً، إلا أن مناراته تبلغ من الحجم ما يوحي بأنها جزء من مسجد أكبر. ازدانت واجهة المسجد ذات لون القشدة الناصع بقطع خزفية تزهو ألوانها وكأنها صُبغت للتو. طبعاً زبدة المكان كانت في الداخل حيث عكست قطع المرايا البالغة الصغر الضوء على شكل خيوط مشعّة تعطيك الإحساس بحضرة الله.  حبيبتي، وهي فلسطينية، قارنت بين أسبوع الآلام الإسباني وعاشوراء لتشرح لي سبب ميلي للشيعية. حسب رأيها، الإسبان من المسيحين هم كالشيعة من الإسلام: دراميون.

في المسجد أيضاً مساحة مفتوحة على الهواء الطلق، حيث تُباع المرطبات وتوجد مصطبات يمكن الجلوس عليها. على إحداها جلس شاب دون الثلاثين من العمر وحاول عقد رباطات حذائه. أقول أنه حاول لأن كرشه منعه من أن يطول قدميه. بصعوبة بالغة، مدّ ساعده حتى استطاع ملامسة نعليه بأطراف أصابعه. تصبّب الشاب عرقاً من شدة الحر والجهد الذي بذله، وزحلت نظاراته تحت ثقل عدساتها الأشبه بكعب كأس على طول أنفه حتى شارفت على السقوط. عندها، قفز للخلف تاركاً عقدة رباطاته رخوة. بدا لي أنه من الممكن أن نصبح أصدقاء.

ابتعت عصير ليمون وجلست إلى جانبه. الشاب كان مثالاً للشيعي الملتزم بدينه، على الأقل من ناحية مظهره الخارجي. فشعره القصير المهندم، ولحيته المثلثة، وقميصه المدكوك بعناية داخل بنطاله لا يتركون مجالاً للشك. سلَّم علي بلطف شديد وهو يلتقط أنفاسه بعد عناء عقد رباطات حذائه.

  لا تعود هذه الصورة لرحلة الكاتب، وإنما تم التقاطها في رحلة منفصلة من قبل المصورة بويا

لا تعود هذه الصورة لرحلة الكاتب، وإنما تم التقاطها في رحلة منفصلة من قبل المصورة بويا

بدا لي مبتهجاً بالإجابة على أسئلتي حول المسجد. لفت انتباهي إلى شجرة نمت في منتصف المصلى. “عُمر هذه الشجرة آلاف السنين، وما كانت لتُعَمِّرَ حتى الآن لولا بركات الله،” قال لي شارحاً. سألته عن أعمدة السقالة، فوضّح لي أنهم يبنون مدرسة لتعليم القرآن ومراكز خدمات أخرى. دخل المتعبدون من حولنا، بعضهم للصلاة و آخرون للاستمتاع بالمرطبات في الظل المعطر بأريج الحديقة.

كان حديثنا ودّياً للغاية. بدا لي أن بيننا من الحميمية ما يكفي لأسأله عن العلاقة بين حزب الله والسكان المحليين. كنت على وشك سؤاله عندما بادرني بالاستفسار:

– هل تحب إسرائيل؟

– لا – كان جوابي تلقائياً، دون أن اتردد للحظة.

فجأة، تَغَيَّرَ أسلوب الشاب وأمعن فِيَّ النظر بعينيه الأشبه بالعراوي. شعرت بالفزع، مجرد سؤاله كان خطراً.

– هنا في لبنان لا تحب إسرائيل، لكن عندما تعود إلى إسبانيا تحبها.

– لا – أجبته بنبرة حازمة. إصراره زاد من هلعي فمن الممكن أن يكون الشاب من مقاتلي ميليشيا حزب الله، وربما أثرت شكوكه عن غير قصد.

– ماذا تعمل في إسبانيا؟

– أنا كاتب هزلي. أكتب برامج كوميدية للتلفزيون.

لاذ الشاب بالصمت لبضعة ثواني. رفع نظاراته ليتفحصني بشكل أفضل. تَلَفَتُّ حولي لالتقاط نظرات الناس، خوفاً من أن يفسّر أحدهم حديثنا بطريقة خاطئة. أردت المغادرة، لكن خشيت أن فعلي ذلك سيثير مخيلته أكثر.

– أملك محل كمبيوترات – قال مُغيّراً وضعية كرشه.

  لا تعود هذه الصورة لرحلة الكاتب، وإنما تم التقاطها في رحلة منفصلة من قبل المصورة بويا

لا تعود هذه الصورة لرحلة الكاتب، وإنما تم التقاطها في رحلة منفصلة من قبل المصورة بويا

حتى لو ظننت للحظة أنه من الممكن أن يكون من مقاتلي ميليشيا حزب الله، مقاتل ليس من الذكاء بما فيه الكفاية حتى لاستجواب جواسيس مزعومين، تأكيده بدد كل شكوكي. كان مهندس معلوماتية، وليس بمنظمة واجهة. التدريب الوحيد الذي يمكن أن يكون قد تلقّاه في إيران هو حول كيفية استخدام برنامج مايكروسوفت أوفيس وبناء صفحات إلكترونية. فجأة، وبذات السرعة التي إتخذ بها موقفاً عدائياً مني، استعاد نبرته اللطيفة. في هذه اللحظة تحديداً تملّكني الغضب، لأنني ظننت بأنه عرّضني لهذا الموقف المزعج فقط كي يستمتع بلعب دور الشاب الحاذق الذي كشف جاسوساً.

–  الكثير من الناس يأتون إلى بعلبك للحصول على معلومات عن حزب الله – شرح لي مع ابتسامة. بفضل ذلك قصف الطيران الإسرائيلي وادي البقاع عام 2006. إضطر السكان للجوء إلى الجبال. مات الكثيرون، كان أمراً رهيباً.

لاحقاً وصف لي السعادة التي زحف بها الشباب من البقاع إلى جنوب البلاد للالتحاق بالمقاومة*. آلاف الشبّان غادروا عوائلهم حاملين حياتهم على كفوفهم وجاهزين للتضحية بها للذود عن بلادهم. من ماتوا أصبحوا شهداء، “هل شاهدت الملصقات في الشوارع؟” ومن يعودون يصبحون أبطالاً. “في بعلبك، الكل يحب حزب الله،” قال بتأثر.

في ظروف أخرى كنت ساستمتع كثيراً بهذه المحادثة فقد كانت، نوعاً ما، إحدى أسباب زيارتي لبعلبك. إلا أنني كنت مازلت ساخطاً بسبب العرض السابق الذي قدّمه. أثار لُطْفُهُ ريبتي، فقد تكون هذه مجرد إستراتيجية من دليل “أتقن فن الإستجواب خلال عشرة أيام” الإلكتروني، قسم “إكسب ثقته.”

اقتنصت فرصة كَفِّهِ عن اتهامي بالجاسوسية لاستودعه. دعاني لشرب كوب من الشاي في منزله، لكن جُلّ أمنياتي كان عدم رؤيته مجدداً. عدت إلى موقع الآثار وبعد عشرة دقائق ركبت السرفيس المتوجّه إلى بيروت.

لم نكن قد غادرنا المدينة بعد عندما توقفت العربة ليصعد راكب جديد. أنا كنت قد غفوت قليلاً سانداً رأسي على الزجاج. شاهدت، ما بين النوم واليقظة، مهندس المعلوماتية وهو يصعد ليجلس بجانبي. “شو دبقة!” قلت بصوت عالي واثقاً بأن لا أحد من الركاب يتكلم الإسبانية.

لسوء حظي، كان السرفيس يمر من ضيعته. عاد لدعوتي لزيارة محله. “نحن في البقاع مضيافون، لسنا كالبيروتيين الذين همهم الوحيد جمع المال.” استقمت في جلستي دون حماسة معيراً إياه بعضاً من اهتمامي من باب الذوق حتى اللحظة التي قال فيها:

– كل مخابرات العالم تتوافد إلى بعلبك، لكن هذا أمر طبيعي فهذا عملهم. الكي جي بي، السي آي إي، الموساد، كلهم يأتون إلى هنا متخفّين، لكنني لا أجد ذلك أمراً سيئاً، فهذه مقتضيات العمل. هل تحب المخابرات؟

– لا – أجبته بنبرة حاسمة لأوضّح له أن محادثتنا قد انتهت.

تابع الشاب حديثه عن المخابرات وأنا ركّزت نظري على النافذة بشكل استعراضي إلا أنه لم يفهم الرسالة.  “اتفهّمهم تماماً، فهم يقومون بما يفرضه عليهم عملهم.” شدّد على ذلك مرات عديدة. عندما ذكر “الموساد” مجدداً، تلفّت راكبان باتجاهنا. ضقت ذرعاً بلعبته، لم أعلم إن كان مهندس المعلوماتية هذا أبلهاً أم بلا مسؤولية.

  لا تعود هذه الصورة لرحلة الكاتب، وإنما تم التقاطها في رحلة منفصلة من قبل المصورة بويا

لا تعود هذه الصورة لرحلة الكاتب، وإنما تم التقاطها في رحلة منفصلة من قبل المصورة بويا

صعد راكب جديد السرفيس وجلس إلى جانبه بالذات. كان يحمل على خصره مسدساً كالذي تستعمله الشرطة، لكنه كان بثياب مدنية. عند معاودة المهندس على ذكر “السي آي إي” و”الموساد” في جملة واحدة سنكتشف ما إذا كان الراكب شرطياً أو من الميليشيا حسب ما إذا ساقنا كلينا إلى فرع أمن أو جرّني وحدي إلى قبو. لم يبدو لي أن مرأى المسدس ترك أي وقع في نفس الشاب. (“سيجرجرني أنا إلى قبو” فكرت) على الرغم من أنه خفت صوته وغيَّر الموضوع. “حزب الله يحب اللبنانيين، ومحال أن يصوّب سلاحه باتجاه لبناني. ما يريده حزب الله هو أن يتّحد المسيحيون، والسنيّون، والشيعيون جميعاً ضد إسرائيل” وعاد بريق من المشاعر ليملأ عينيه اللوزيتين. “المقاومة هي حرب اللبنانيين كلهم” ثم تابع ذمّه للبيروتيين، عديمي المبادئ. أحنيت ظهري وانهمكت في قراءة الرسائل القصيرة القديمة المخزّنة على موبايلي.

أخيراً وصلنا إلى قريته، وهي ضيعة صغيرة ومضيافة. “تعال لشرب الشاي معي. إذا تأخّر الوقت يمكنك النوم في منزلي”، “لا، شكراً”. تابعت مهندس المعلوماتية بنظري حتى اختفى في شارع تغطي جدرانه سحنات الأبطال المقاتلين، أولئك الذين لم يلتحق بهم لجبنه أو لعدم توفر اللياقة البدنية المطلوبة لديه. ما كنت متأكداً منه، هو أن إحدى الوجوه الملصقة على الجدران هي لأحد أخوته. الصورة ذاتها التي يعرضها والداه في أفضل زاوية من المنزل.

*وردت كلمة المقاومة في النص الأصلي باللغة العربية.

Advertisements