لدي جرح في سوريا، ساعدني على تضميده. تحرك!

بدت عن بعد وكأنها لوحة إعلانية لأحدث بنطال  ليفيز، إعلان طرقي في مدريد عليه فتاة شقراء نحيلة ترتدي الجينز كاشفة عن كتفها اليمين بحركة إغراء غير متكلفة. عند اقترابي فقط لاحظت الجرح المرسوم على كتفها. دققت النظر حائرة لاكتشف أن الفتاة هي مقدمة البرامج التلفزيونية الإسبانية الشهيرة آن إيغارتيبورو وأقرأ بالإسبانية: لدي جرح في سوريا، ساعدني على تضميده. تبرع!

آن إيغارتيبورو هي واحدة من ثلاثة شخصيات إسبانية شهيرة تعاونت مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لإطلاق حملة لجمع التبرعات في إسبانيا لصالح لاجئي الحرب السورية. إن حالة التشويش هذه التي تخلقها رؤية جرح على كتف فتاة في إعلان طرقي كمثل آلاف الإعلانات التي تريد إقناعنا يومياً باقتناء أحدث موبايل، حقيبة أو فستان هي بلا شك نقطة قوة لحملة جمع تبرعات لأنها تنجح باستيقاف المارة لقراءة النص وفهم ما وراء هذا الجرح و بقليل من الحظ قد يمدون يدهم في جيوبهم ويتبرعون عن طريق الموبايل. إلا أن الأسلوب الدعائي هذا الذي اختارته الحملة يكرّس سياسة إعلانية تجعل من التبرع، مثله كمثل اقتناء أي منتج “ساخن” في السوق، آخر تَوَجُه في الموضة، والأزمة السورية هي بلا شك “أدرج أزمة انسانية” حالياً هي والأوكرانية.

إعلان آن إيغارتيبورو لجمع التبرعات لصالح لاجئي الحرب في سوريا

إعلان آن إيغارتيبورو لجمع التبرعات لصالح لاجئي الحرب في سوريا

شرحت لي صديقة مصوِرة عندما سألتها بسذاجة، لا أفهم لماذا تستخدم مؤخراً الماركات العالمية للثياب في حملاتها الإعلانية صوراً بالكاد نرى فيها الثياب التي يهدفون لبيعها، بأن الحملات التسويقية الحديثة لا تُسَوق المنتج نفسه إنما الإحساس الذي يضفيه. ارتداء ثياب الماركة الفلانية يجعلك شببلك، ماركة أخرى تجعل منكِ امرأة مغرية وارتداء هذه الساعة سيعطي مَن حولَكَ الانطباع بأنك رجل أعمال جدي. في إسبانيا، للموضة أهمية خاصة. الثياب التي ترتديها، قَصَة شعرك، طول لحيتك هو جزء من شخصيتك، ودلالة على توجهك الإيديولوجي، السياسي، الاجتماعي أو حتى الجنسي. يتسلى زميل إسباني بالشرح لي عن توجهات المارة في شارع مقتظ في مدريد. هل تَرَين بنطال هذا الشاب المكفوف إلى ما فوق الكاحل ولحيته القصيرة؟ إنه من الحديثين، الحذاء ذا تصميم “الناوتيكو” الذي يرتديه الآخر يدلل على أنه ينتمي غالباً إلى الطبقة الغنية المحافظة، ثياب تلك الفتاة الفضفاضة وشالها المحاك يدوياً لا يدعون مجالاً للشك بأنها “هيبي” ويختم حديثه ضاحكاً بأنه من المستحيل أن يحمل حقيبة لأن ذلك “مُثليٌ” للغاية.ارتداء الكوفية الفلسطينية في إسبانيا لا زال دلالة على أن لابسها من اليساريين ولا يعني بالضرورة بأنه مهتم بشكل خاص بالقضية الفلسطينية. التبرع للاجئي الحرب في سوريا يجعلك شخصاً حديثاً ومتطلعاً و”ملتزماً” بالقضايا الإنسانية العالمية. حملة التبرعات هذه تبدو لي واحدة من كثير الحملات التي ترسخ أن على الشخص استهلاك “المنتج الفلاني” لينتمي إلى الفكر أو المجموعة المجتمعية الفلانية.

إن ما يحتاجه السوريون مثلهم كمثل غيرهم من سكان مناطق الحرب حول العالم ليس الحزن البادي على وجه الناس عندما تخبرهم بأنك قادم من سوريا أو مساعدات لا تكفل للاجئين في المخيمات حياة كريمة إنما تبقيهم على الحد الفاصل ما بين الحياة والموت. ما يحتاجونه ليس حملة إعلانية تجعل العالم يشعر بالرضا لأنه ملتزم بقضايا المساكين، بل حملة توعية حقيقية حول ما يجري تماماً في سوريا وإرادة سياسية حقيقة للتوقف عن دعم هذه الحرب وحل الأزمة بشكل فوري وعلى الأرض وإنهاء معاناة السوريين بشكل نهائي.

Advertisements

One thought on “لدي جرح في سوريا، ساعدني على تضميده. تحرك!

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s