جنود من حديد – عمل تركيبي وكتاب للفنانة آلاء يونس

لطالما عشنا في العالم العربي على أمجاد وهزائم آبائنا. النكبة، النكسة، حرب العراق والكويت، حرب العراق وإيران، الاجتياح الإسرائيلي للبنان والقائمة تطول. قصص عن أبطال، خونة، معتدين ولاجئين اعتدنا على سماعها في حضن الجدة. جاء الربيع العربي لينتزعنا من موقعنا المريح هذا ويضعنا وجهاً لوجه مع فوهة بندقية صديقة هذه المرة. لم يعد بسطار الجندي مجرد قصة، ووجد الكثير من الشباب العربي نفسه في مواجهة صعبة مع نفسه أولاً قبل خصمه أياً كان تعريفه له. هل يسعى للثورة أم الحفاظ على الاستقرار؟ هل يحمل السلاح أم ينزع إلى السلمية؟ هل يبقى أم يهرب؟ كما ­وجد جيل حرب الأيام الستة نفسه في زمن آخر، اختلفت نظرته للشهادة والكفاح المسلح.

Untitled

جاء عمل “جنود من حديد” للفنانة الأردنية آلاء يونس ليسلط الضوء على هذه الأسئلة الحرجة وعلى تأثير الوجود العسكري على حياة المدنيين من خلال مجموعة شهادات من أناس من مختلف أنحاء العالم عايشو العسكرة بطريقة أو أخرى. إلا أن موضوع العسكرة في العالم العربي يختلف عنه في الخارج، فارتباط العسكرة الوثيق في معظم بلدان العالم العربي بالسياسة الداخلية والكم الهائل من الخطوط الحمراء التي أثقلته في ظل الأنظمة الديكتاتورية العربية جعل منه موضوعاً حساساً طرحه أشبه بالرقص على الحبل. هو موضوع يفضّل العامة من العرب الذين يعيشون في الداخل تجنبه، وأولئك الذين يتطرقون له غالباً ما يطرحونه محمّلاً بأيدولوجيا المقاومة ضد العدو الخارجي، غالباً الإسرائيلي منه، ويتجنبون الحديث عن تأثير المؤسسة العسكرية على الحياة اليومية للمواطن العربي. ما يميز عمل يونس هو مقاربتها لموضوع العسكرة من منظور ذاتي بحت بعيد تماماً عن المواقف الأيديولوجية والأفكار المسبقة. لا مكان في عملها  للسياسة والرموز الوطنية بل هو مجموعة  قصص وأعمال فنية شخصية جداً تحكي عن العلاقة بين الفرد والعسكرة والصراع الداخلي لأناس عاديين اختاروا العسكرة أو وجدوا أنفسهم في خضمها دون خيار. لهذا فالعمل لا يطرح أية استنتاجات وأكثر نهايات قصصه مفتوحة فهو دعوة للتفكير ومساءلة الذات.

“الجنود في هذا الكتاب هم أناس طيبون،” قالت يونس. “هذا العمل ليس عن بطل، أو شخص أو فئة معينة، بل هو عن العسكرة بشكل عام.”

نقابل بين صفحات كتاب يونس سائحاً إسبانياً إتهم من أحد العامة بالجاسوسية في البقاع، وآخر مصرياً وجد نفسه فجأة مضطراً لحماية حيِّه في غمار الفوضى الأمنية التي واكبت إسقاط نظام مبارك، أعضاء منتدى هواة مفتوح على الإنترنت يخططون لاجتياح وهمي، ولاعب درامز خدم العسكرية في فصيل التسلية في الجيش التركي وكثر آخرون.

Untitled

تتنوع طرق طرح هذه القصص بتنوع أبطالها وتختلف باختلافهم إذ يضم العمل محادثات تشات، مقالات، رسائل، و تعليقات من منتدى مفتوح حول العسكرة إضافة إلى أعمال فوتوغراف ولوحات ومقاطع فيديو وكاتالوغات لألعاب عسكرية عرضتها يونس في ترينالي نيوميوزيوم بنيويورك 2012 وبينالي غوانغجو 2012 في كوريا الجنوبية وطبعت، بتمويل جزئي من بينالي غوانغجو، جزءاً منها في كتاب من 280 صفحة ذي تصميم بيوريتاني وألوان باهته تعكس بهتان حياة العسكر.

حسب يونس، هي لم تبحث عن أشخاص أو قصص لتعرضها في “جنود من حديد”، بل كانت الشخوص والقصص هي من تجدها.

“المشاريع قدَّمت نفسها بنفسها. لم أبحث عن قصص لعملي فأصحابها هم من جاؤوا إليَّ ورووا قصتهم إما بمحض الصدفة خلال حديث أو بعد أن ذكرت مشروعي عن الجنود،” قالت يونس. “كما لم أختر الشكل فهم عبروا عن أنفسهم كل بوسيلته.”

نتيجة لذلك، يشمل العمل نصوصاً وأعمالاً فنية لكتاب وفنانين مهنيين كالكاتبة الفلسطينية عدنية شبلي، المخرج الياباني كوجو واكاماتسو، والفنان التشكيلي الكولومبي نيكولاس باريس إضافة إلى حوارات وشهادات لأشخاص عاشو العسكرة إلا أنهم لا يعملون في مجال الإعلام والفن مما جعل الأعمال المنشورة متفاوتة في مستواها وقدرتها على جذب القارئ/المشاهد وإن كانت جميعاً تقدم نظرة متفردة لتجربة العسكرة.

Untitled

مشروع مستمر 

رغم تزامن العمل مع الربيع العربي، إلا أنه لم يكن من وحيه. “جنود من حديد” هو جزء من مشروع مستمر عن العسكرة بدأته يونس عام 2010 عندما شاهدت تمثالاً مصغّراً من البلاستيك لجندي مرمي على الأرض بين النفايات. رثت الفنانة لحال الجندي اللعبة فأخذته ونظّفته. “ذكّرني حاله بحال الجنود في الحرب وأثناء الخدمة العسكرية،” قالت يونس التي ازداد فضولها أكثر نحو العسكرة إثر زيارتها اللاحقة لمتحف الألعاب في زيوريخ حيث شاهدت مجموعات كبيرة من التماثيل المصغّرة لجنود مصنوعين من حديد.

أكثر ما لفت نظر يونس في متحف زيوريخ وسلسة المعارض والمتاحف الحربية ومتاحف الألعاب الأخرى التي باتت زيارتها هاجساً بالنسبة لها هو تمثال مصغّر لجنديين يسند أحدهما الآخر. “أثارت العلاقة بين الجنديين فضولي بشدة. هل هما متساندان من باب التضامن؟” تساءلت يونس.

كما لفت نظرها عدم وجود تماثيل مصغـّرة حديدية لجيوش عربية أو حتى غربية معاصرة في أي من هذه المتاحف باستثناء بعض الجيوش المنتقاة كالجيش الأحمر أو الجيش الأمريكي بالعراق. حسب يونس، معظم مصغّرات المنطقة العربية كانت عائدة لزمن الاستعمار أو كانت مجرد أشخاص يرتدون لباساً تقليدياً.

“لم أجد أي تمثال مصغّر للجيوش العربية المعاصرة. وجدت بعض القطع البلاستيكية أو المصنوعة من البورسلان لكن لم أجد أياً من الحديد، لذلك أردت صناعة واحد،” قالت يونس بصوت هادئ مليء بالعزم. وفعلت. صنعت يونس 2500 جندياً من حديد صناعة يدوية بمساعدة مجموعة صغيرة من الحرفيين وبتمويل من أشغال داخلية بيروت لتعرضهم في بيروت في عمل تركيب باسم “عسكر من تنك” عام 2010. كما صنعت 10,000 جندي حديدي آخر لاحقاً بتمويل من بينالي اسطنبول حيث عُرضت المجموعة الكاملة للجنود عام 2011. علم صغير على أكتاف الجنود والكاموفلاج (نقش الثياب العسكرية الخضراء المرقطة) الذي يرتدونه أشار لجيش أي دولة ينتمون كما عكس عددهم العدد الأصلي للجيش الحقيقي عام 2010 بنسبة 1/200. إختارت يونس لتضم في عملها الجيوش التسعة التي خاضت حروباً في العصر الحديث أدت إلى إعادة تشكيل هذه الدول وهي جيوش مصر، العراق، سوريا، لبنان، فلسطين، الأردن، إسرائيل، إيران وتركيا.

Untitled

على الرغم من الجهد الكبير الذي تطلّبه إشراف يونس على صناعة وطلاء كل فرد من أفراد جيوشها التسعة، إلا أن الجزء الأصعب، حسب يونس، كان نقل الجيوش هذه لصالات العرض. فسريعاً ما اكتشفت يونس أن نقل جيوش الحديد بوزنهم الثقيل وعددهم الكبير وبأقل خسائر ممكنة في صفوف الجنود ليس بالمهمة السهلة ويتطلب إستراتيجية عمل دقيقة.

“كان من الصعب نقل الجنود إلى الصالة في الوقت المطلوب لصعوبة تحريكهم نظراً لثقلهم. دفعني هذا للتفكير بدور قائد الكتيبة أو الجيش وأهمية إتخاذه للقرار الصحيح بشأن توقيت وكيفية نقل كتائبه. هل يضحي ببعضهم لتحقيق الهدف من العملية أم يضع سلامتهم في المرتبة الأولى؟” قالت يونس. “بمجرد صناعتنا للجنود بات علينا كفريق الفنانين العاملين معي التفكير إستراتيجياً للانتهاء من تلوين وإعداد ال 10000 مصغر مما جعلنا أكثر صرامة اتجاه أنفسنا فغياب أحدهم ليوم واحد يعني تأخر وصول الجيش إلى صالة العرض.”

إطلاع يونس على الجانب النفسي لإدارة الجيوش شكّل نقلة (تعمق) في نظرتها لموضوع العسكرة، حيث توجّه فضولها في  المراحل الأخيرة من المشروع من العسكرة والتجند ضمن المؤسسة العسكرية إلى العسكرة كحالة خارج النطاق المؤسساتي. باتت أكثر إهتماماً بالأناس الذين يعيشون على هامش الحرب والتسلح والعسكرة ويعيشون آثارها دون أن يشكلوا بالضرورة جزءاً منها فكان أن ولد مشروع جنود من حديد.

لمعرفة المزيد عن الفنانة يمكنك زيارة موقع آلاء يونس الإلكتروني.

 يونس تركز على أنه عمل جماعي.

 *    *   * 

شرح عن بعض الأعمال التي عرضت في “جنود من حديد” – كوريا الجنوبية:

بدون عنوان

تم تصميم الكاموفلاج (نقش الثياب العسكرية الخضراء المرقطة) لحماية الجنود والمركبات العسكرية من خلال دمجهم بالبيئة الخضراء المحيطة وجعلهم بالتالي هدفاً يصعب رؤيته.  لذلك لكل جيش رسمي نقش كاموفلاج موحّد خاص به. لفت نظر يونس عند مشاهدتها لمقابلة تلفزيونية مع المحاربين الليبين الأربعة الذين قتلوا القذافي تنوّع نقوش الكاموفلاج التي كانوا يرتدونها والتي تعكس تعدد الصفقات العسكرية، وجهات الدعم العسكري لهم كجيش غير نظامي.

انطلاقاً من المقابلة، جمعت يونس صوراً من على الإنترنت للمحاربين الليبيين، وحضّرت نسخاً كربونية عنها خططت فيها الهيكل العام لأجساد المحاربين فقط. تركت الهياكل الفارغة للمحاربين بالأبيض والأسود ولم تملء وتلوِّن إلا الأقسام التي يظهر فيها الكاموفلاج، مسلّطة بذلك الضوء على التنوّع  الكبير في كاموفلاجات القبّعات والبناطيل والسترات ما بين البريطاني والأمريكي والإيطالي وغيره. والمواقف السريالية فاشن شو، درامز والتانيين بطخوا.

فؤاد الخوري، أطلنتس 1982

صور فوتوغرافية

نشرت يونس صوراً التقطها المخرج والمصور اللبناني فؤاد الخوري أيام 30 و31 أغسطس و1 سبتمبر 1982 خلال رحلة ياسر عرفات من بيروت إلى أثينا على متن سفينة الأطلنتس التي أرسلها له رئيس الوزراء اليوناني السابق أندرياس باباندرو. رغم الضغوط السياسية التي رافقت الرحلة، بدت في الصور وكأنها رحلة بحرية عائلية لعرفات وعوائل رفاقه المقرّبين. أرادت يونس من خلال نشر الصور حث الزوار على تغطية عرفات بأصابعهم لمشاهدة البقية وتسليط الضوء على الجنود المجهولين ورؤية هؤلاء المقاتلين في حضرة القائد وعدم وجوده.

عمران قريشي، تنوير معتدل (تفصيل)، 2009

ألوان مائية وأوراق تذهيب على ورق الوصلي، 59 X 51 سم

تعكس لوحات الفنان باكستاني عمران قريشي تأثير ربط الإرهاب بالإسلام بعد أحداث 11 سبتمبر على شعبه فيعبّر في أعماله عن الصور المنمطة التي جعلت من المظاهر التقليدية في بلده كالذقن والزيِّ الباكستاني التقليدي، وتحريم الموسيقا رمزاً للإرهاب. رسم قريشي باكستانيين بلباس محافظ تقليدي في وضعيات حياتية عادية ولون إحدى القطع التي يرتدونها بألوان الكاموفلاج. 

 

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s