فيلم رجال المدينة للمخرج البريطاني مارك أيزاكس

مشهد من فيلم رجال المدينة للمخرج البريطاني مارك آيزاكس

مشهد من فيلم رجال المدينة للمخرج البريطاني مارك آيزاكس

مدير مالي في بورصة لندن، موظف تحصيل ديون وعامل يومي يحمل لافتة مطعم. ثلاثة رجال من خلفيات ثقافية، اجتماعية وعائلية مختلفة لا يجمع بينهم سوى المال، أو بالأصح الجري الحثيث لتحصيله.

يسلط المخرج البريطاني مارك آيزاكس من خلال تصوير حياة الرجال الثلاثة الضوء على تبعات النظام الاقتصادي العالمي الذي جرّد العاملين الراكضين وراء لقمة العيش من إنسانيتهم فباتوا محكومين بشريعة الغاب حيث البقاء للأقوى. هي رسالة عبّر عنها آيزاكس بحرفية كبيرة من خلال تصويره ليوم عمل في بورصة لندن. فصوّر لقطات قريبة لوجوه الرجال المتربصة، ولحركات أيديهم التي هي أشبه بإشارات حرب سرعان ما تندلع ليصور لنا جلسة المضاربة التي ينقضّ  خلالها المضاربون على هواتفهم وتعلو أصواتهم  بالصراخ الذي يمزجه المخرج بأصوات حيوانات الغابة. مشهد برّي عنيف تبلغ تعبيريته ذروتها في لقطاته الأخيرة التي تصور عن قرب آثار جروح قديمة تعلو وجوه المضاربين المنهكة.

تتخلل مشاهد الفيلم الذي يتنقل باستمرار ما بين حيوات الرجال الثلاثة، لقطات مختلفة للمطر. فتارة نتابع قطرات المطر المتدافعة بقوة على الزجاج، وتارة أخرى نراها خيوطاً من المياه التي تشبه في اصطدامها بالأرض خيوط الشرار المتطاير. وأخيراً نتتبعها سيولاً تعصف بنهر التايمز. تضفي مشاهد المطر تلك مصحوبة بموسيقا تصعيدية إحساساً بالضيق في مدينة يغرق سكانها في دوامة الأزمة الاقتصادية! فكما العامل البنغالي الذي يجلس معانقاً لافتة المطعم طوال النهار حتى تدق ساعة الاستراحة فيركض مسرعاً إلى أقرب مطعم ليأكل ما تسنى له من الطعام ويهرول عائداً قبل أن تنقضي استراحته القصيرة، كذلك يصور آيزاكس الحياة في ظل الأزمة الاقتصادية؛ حياة مقتضبة يعيشها الناس في الوقت المستقطع من العمل.

   بعيداً عن الرجال الثلاثة يأتي الزبال، رجل متنسك يكنس شوارع لندن بهدوء متأملاً وجوه المارين المتعبة سائلاَ:

«كيف يمكن لزبال أن يستمتع بعمله. عليه أن يكون تعيساً! هكذا يتوقع منك النظام أن تكون! وهكذا هم غالبية الناس الذين ستجدهم في شوارع المدينة. هم يشعرون بأن علي أن أكون تعيساً، لكن لم عليّ أن أكون كذلك؟»

ربما سؤال الزبال هذا هو «زبدة» الفيلم الذي ختمه المخرج برومانسية تتناقض مع سياق الفيلم القاتم. فما أن يستقيل موظف تحصيل الضرائب من عمله ويُخرج دراجته النارية المنسية لسنوات في كراج المنزل ليمارس هوايته القديمة، وما أن تتعالى ضحكات أطفال المدير المالي وهم يتخذون وضعيات مختلفة ليصورهم والدهم الذي نادراً ما تتسنى لهم رؤيته، حتى تتلاشى الغيوم الداكنة من السماء ويبزغ قوس قزح جميل آذناَ بأفول الأمطار.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s