لقاء مع المخرج الفلسطيني رائد أنضوني

“ينظر الغرب للفلسطيني كإرهابي، في حين يُنظر إليه في الشرق الأوسط على أنه فدائي. أنا أردت تصويره على حقيقته كإنسان مثل أي إنسان آخر في العالم”. قال المنتج والمخرج الفلسطيني رائد أنضوني الذي يشتغل على كسر الصور النمطية للفلسطيني في السينما عاكساً؛ في الوقت ذاته؛، الواقع اليومي الصعب والظالم الذي يعيشه في ظل الاحتلال الإسرائيلي، صعوبة تنقله وصراعه من أجل الحفاظ على هويته.

رائد أنضوني

رائد أنضوني

يتخيل للناظر من الخارج أن “المنتج” بالمعنى المتداول دولياً للكلمة، مفقود في كل العالم العربي إلا في فلسطين! كيف كانت تجربتك كمنتج؟  

هذا يعتمد على المقصود بكلمة منتج. فالطابع التجاري للمنتجات السينمائية في المنطقة؛ والتي هي غالباً مسلسلات وأفلام تجارية أو “أفلام شباك”- إذا صح التعبير-  تقاس قيمتها بكمية الأرباح المادية التي تحققها؛ شكّل بأذهان الناس صورة نمطية خاطئة عن المنتج كمستثمر. إلا أننا إذا نظرنا إلى السينما من منظور ثقافي فني، كأداة للحفاظ على ذاكرة الشعوب، سنجد أن الدافع الوحيد للمنتج هو شغفه بالسينما، إذ أن العمل في أي مجال آخر سيدر عليه أرباحاً أكثر بكثير من عمله في مجال السينما التسجيلية الإبداعية.

ربما فلسطين كانت رائدة، لأنه وببساطة لا توجد صناعة سينما في فلسطين. وبالتالي عندما بدأ الفلسطينيون بالإخراج بدؤوه بشكل مستقل فيما يعرف بسينما المؤلف. كذلك يلعب الواقع المعاش في منطقتنا دوراً كبيراً في طبيعة إنتاجاتنا السينمائية. فالواقع الصعب وغير العادل في فلسطين ينطوي عن أسئلة وتناقضات تدفعنا (كفلسطينيين) إلى السينما التي تطرح سؤالاً.

ماذا درست أساساً؟ من أين كنت تحصل على التمويل للأفلام التي أنتجتها؟   

لم أدرس السينما قط، بل تعلمتها من الحياة. فقصتي مثل قصة آلاف الفلسطينيين، درست إدارة الأعمال،إلا أن السجن حال دون تخرجي. وما أن أطلق سراحي حتى اندلعت الانتفاضة، فنزلت إلى الشارع لأصور أحداثها، وكان ذلك أول اتصال لي مع السينما. ومنذ ذلك الحين وأنا أعمل في السينما؛ سواء كمنتج أو مخرج؛ إلا أن ما دفعني إليها هو شغفي فيها، وليس الدراسة، فصناعة الفيلم ليست كمعادلة رياضية، إذا طبقتها بشكل صحيح حصلت على فيلم ناجح. إن ما تحتاجه السينما هو إحساس عالٍ وموهبة وشغف.

أما فيما يتعلق بالتمويل؛ فباستثناء بعض الأفلام التي يخرجها شباب بكاميرات مستعارة وبالتعاون مع أصدقائهم الذين يتطوعون للتصوير والمونتاج؛ لابد من توفر مبلغ كبير من المال لإنتاج مشروع فيلم كبير. لابد هنا من اللجوء لمصادر تمويل مختلفة، كالبيع المسبق لتلفزيونات دولية وصناديق دعم السينما، والتي هي بمجملها أجنبية. فللأسف، الاستثمارات الوحيدة في مجال السينما في الوطن العربي توجه للاحتفاليات السينمائية وليس للأفلام.

من المفترض أن مال الدولة يعود للشعب، ويشكل المفكرون جزءاً أساسياً وريادياً في تطور أي بلد وبالتالي لابد من دعمهم. إلا أنني أظن أن ذلك مرتبط بالسياسة، فالسينما المستقلة تقوم على حرية التعبير، والدول العربية لا تدعم إلا الأصوات التي تؤيدها. لكن ربما هذا أيضاً في طريقه إلى التغيير.

كنت منتجاً وانتقلت إلى الإخراج مع “ارتجال” (2005)، والذي كان علامة فارقة في قصة حياتك، وربما أيضاً في قصة التسجيلي الفلسطيني. فيلم عن وطن تحت الاحتلال لا يتناول القضية من منظور سياسي مباشر ولا يجنح إلى تكرار ما سبقه، ما أصبح اليوم بحد ذاته البحث الرئيسي لكثير من التسجيليين في فلسطين… كيف نشأت فكرة “ارتجال”؟ 

السينما الفلسطينية، في الواقع، هي “فشة خلق”! فبدلاً من رشق دورية جيش إسرائيلية بالحجارة، لجأ بعض المخرجين الفلسطينيين إلى صناعة فيلم يهاجمون من خلاله هذه الدورية أو إسرائيل. لكن هذا ليس بسينما. ففن السينما هو فن سرد الرواية، ويمكنك سرد الرواية ذاتها بمئة طريقة مختلفة. إلا أن الظروف القاسية في ظل الاحتلال الإسرائيلي وانطلاق السينما التسجيلية من منظمة التحرير الفلسطينية جعل منها سينما شعارات. وهذا لا يقلل من أهميتها، فتلك الأفلام هي جزء هام من الثورة الفلسطينية. إلا أنه مضى وقت طويل حتى أدركنا كفلسطينيين أن على الفيلم تحدي العقل ومخاطبة المستوى الحسي في آن واحد، والابتعاد بالتالي عن سينما الشعارات والتوجه للبحث عن التفاصيل الصغيرة. فالسينما هي التفاصيل، القصة الشخصية وليس الصورة الكبيرة. هي محاكاة تجارب شخصية يمكن للمشاهد التفاعل معها وبالتالي التأثر بها أكثر من تأثره بالشعارات العامة.

تربطني بعائلة جبران (شخصيات الفيلم الأساسية) صداقة قديمة وقد شهدت الميلاد العسير لفرقتهم الموسيقية واستفزتني قصتهم التي شعرت أنه لابد أن تروى.

يعايش “ارتجال” آل جبران الموسيقيين الفلسطينيين المعروفين، ويتمكن بشكل لافت من تتبع خطوط درامية داخلية في حياة العائلة، تطور الأخ الأصغر، علاقته بأخيه الأكبر، الدراسة في ايطالية، السعي نحو الحفلة في باريس وانتهاءاً بالحفلة نفسها… كيف صنعت هذه الخطوط داخل الفيلم؟ هل أخلصت للتتابع الزمني (الكرونولوجيا) تماماً؟ كم ساعة من المواد صورت وكم استغرق المونتاج؟ 

استغرق تصوير الفيلم عاماً كاملاً. اعتمدت في الشهور الستة الأولى منه على التمويل الذاتي مستعيناً بأخي وأصدقائي لتأمين المعدات والتصوير. صورنا ما يقارب ال150 ساعة، ثم استخدمنا ما صورناه للترويج للفيلم وطلب التمويل، فنجحنا بتوقيع عقد بيع مسبق لتلفاز أرته ARTE الفرنسي والحصول على دعم إنتاجي من صندوق سندانس، ومن فنلندا ومن محطة تلفاز أوسترالية مما ساعدنا على إتمام المونتاج، والذي استغرق عاماً آخر.

اعتمدت نوعاً ما على التتابع الزمني، لأنني كنت أتابع تطور شاب في الثامنة عشر من العمر، فكان لابد من اللجوء للكرونولوجيا حتى لا يضيع المشاهد.  أخذت الكاميرا في “ارتجال” دور المراقب الحيادي والمتأني أو وجهة نظر “ذبابة على الجدار” (انظرإلى الصفحة …..) التي تصور الواقع كما هو، فإن جلسة التدريب الأولى للأخوة الثلاث وأول ظهور لهم معاً على المسرح كانا الأوليين بالفعل. إلا أنني عملت على إعادة خلق الواقع من خلال خلق الظروف المناسبة لدفعهم للحديث عن المواضيع التي أريد تناولها.

كما ساعدني قربي من العائلة على نقل تفاصيل هذه المشاهد بحميمية وعفوية يصعب تحقيقها إذا ما كان المخرج غريباً عن الشخصيات التي يصورها. وهذا ما جعل المشاهدين يتفاعلون بشكل أكبر مع الأخوة جبران. فأكثر ما يؤثر بك عند مشاهدة فيلم هي علاقتك مع الشخصيات التي تظهر فيه.

فيلمك الجديد “FIX ME” عرض في دبي وفي سندانس… ماذا تحدثنا عنه؟  

أرى أن الأفلام المهمة هي تلك التي تبحث عن الجديد. لذلك حاولت خوض تجربة جديدة من خلال فيلم مبني على فكرة بسيطة إنما عميقة لم يتطرق إليها أحد من قبل. إذ قررت خوض تجربة سايكولوجية صعبة من خلال الخضوع لجلسات علاج نفسي. وطلبت إلى المصور تثبيت الكاميرا خلف زجاج عاكس (يسمح بالرؤية من جهة واحدة فقط) حتى لا يفسد وجودها عفوية الجلسة.

هو فيلم مركب جداً ومختلف تماماً عن “ارتجال” إذ يطرح أسئلة عامة عن الحياة، وأخرى صعبة يفضل الناس تجاهلها لعجزهم عن مواجهتها. كما يختلف أسلوبه الذي يمزج بين الخيال والواقع.

هل ترغب بالعودة إلى الإنتاج مجدداً؟ أم أنك تعمل باتجاه فيلم جديد؟

إنني حاضر للعمل في أي مجال يثيرني، وبالتالي كل شيء ممكن. ربما ابتعدت قليلاً عن الإنتاج، إلا أنني مازلت على مقربة منه من خلال تعاوني مع شركة الدار للإنتاج السينمائي التي يملكها أخي في رام الله. كما شاركت زوجتي المنتجة الفرنسية بالمير بادينييه في تأسيس شركة زينة للإنتاج السينمائي Les Films de Zayna”” والتي تعمل على إنتاج أفلام من العالم العربي.

 نشرت هذه المادة في  تفاصيل، وهي نشرة مجانية فصلية مختصة بالتسجيلي تصدر عن أيام سينما الواقع

Advertisements

One thought on “لقاء مع المخرج الفلسطيني رائد أنضوني

  1. السينما هي الجمال في الحياة، ولكن من عين السينمائي الموهوب. السينما هي السحر، سحر الشاشة التي نتسلل داخلها في الظلام لنسرح في عالم من الخيال الفني الجميل الذي يأخذنا إلى عوالم بعيدة، حيث نتأمل ونفكر ونسرح بخيالنا، عالم يمنحنا القدرة على التفكير فيما نفعل، في معنى الحياة، ومغزى الوجود، فيما نفعله وجدوى اللحظة التي نعيشها، يمنحنا الأمل في مستقبل أفضل بل في عالم أفضل، يجعلنا نصرخ احتجاجا على ما يقع حولنا من ظلم وقهر وتعسف وانتهاك لبراءة الحياة.السينما فن تعرية، يعري القشرة الخارجية الزائفة حول الواقع وحول الإنسان في الواقع، يكشف عن الحقيقة ويعري الكذب، ومهما بلغ الفيلم في تصوير الحياة إلا أنه ليس بديلا عن الحياة فالسينما ليست هي الواقع، وليست محاكاة للواقع، بل “رؤية” للواقع، حالة فلسفية لمعنى أن نحيا وأن نشاهد وأن نتأمل. ولعلنا بعد ذلك، نخرج إلى الحياة ونحن أكثر قدرة على الفهم والمعرفة، وعلى الاستمتاع.السينما توجد في قلب الحياة، لكنها ليست بديلا عنها، والحياة بدون السينما تجربة ينقصها الكثير من الحياة.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s