مقابلة مع سابين لوبه بيكر وإيستر غولد، مخرجتي فيلم إصرخ

تتراكم أكياس “اللبنة” والزيتون والسكر والملح التي تضعها الأم القلقة في حقيبة ابنها بسرعة مذهلة. “سيذهب إلى دمشق!” تقول الأم الجولانية بضحكة متعبة. فعلى الرغم من أن مدينة دمشق لاتبعد أكثر من بضعة كيلومترات عن الجولان، إلا أن الدراسة فيها هي بمثابة “رحلة العمر” للسوريين المقيمين هناك.

يرصد فيلم “إصرخ” رحلة شابين جولانيين يقطعان لأول مرة هضبة “الصراخ” التي تفصل بينهم وبين سورية. تلك الهضبة التي اكتسبت اسمها من زيارات العوائل السورية المقسمة بين الجولان والسورية لها ليلمحوا أقربائهم عن بعد و”يصرخوا” أخبارهم لبعضهم البعض.

قابلت المخرجتين الهولنديتين سابين لوبه بيكر وإيستر غولد لمعرفة المزيد عن تفاصيل الفيلم.

 

مشهد من فيلم إصرخ للمخرجتين سابين لوبه بيكر وإيستر غولد

 

لم وقع اختياركما على الجولانكموضوع لفيلمكما الأول؟

عندما سمعت عن هضبة “الصراخ” لأول مرة شعرت بفضول شديد. فبدأت بالبحث والتقيت العديد من الطلاب الشباب المتحمسين الذين يدرسون في دمشق. بدا هؤلاء الشبان بمنتهى اللطف، إلا أن اختلافهم عن أغلبية السوريين الذين التقيتهم كان أمراً جلياً. إذ يتعيّن على طلاب الجولان اتخاذ خيارات صعبة ويقفون في دمشق، مرةً أخرى، وجهاً لوجه مع حقيقتهم الغريبة. عند بلوغهم سن الثامنة عشر يختار هؤلاء الدراسة في وطنهم، الأمر الذي يحمل معه عواقب كبيرة: مفارقة أحبائهم. وسيضطرون لذلك مجدداً عند مغادرتهم دمشق. على الرغم من ذلك يحافظ الجولانيون على تفاؤلهم واهتمامهم باكتشاف العالم من حولهم.

إن معظم الروايات التي نسمعها في أوروبا عن الشرق الأوسط هي ذات طابع حزين تصوّر ضحايا مهزومين وعدوّاً آثم. الأمر الذي يجعل من الشرق الأوسط منطقة غير مفهومة بالنسبة للأوروبيين بشكل عام، فتراهم منهكين من الصراع المستمر الذي يدفعهم لأن يصرفوا أنظارهم عما يعتبرونه وضعاً ميؤوساً منه. أردنا في فيلمنا التسجيلي هذا أن نروي قصة مختلفة؛ قصة يستطيع الأشخاص حول العالم التفاعل معها. إذ نرى أن هؤلاء الشبان هم تماماً كأترابهم حول العالم: شباب طموحون وحالمون. هم بطريقة أو بأخرى ضحايا، إلا أن الشخصيات الأساسية في الفيلم تتمتع بشغف للحياة رغم اضطرارها لمواجهة العواقب اليومية للعبة القوى السياسية.

لاحظنا وجود نوع من الحميمية بينكما وبين شخصيات الفيلم، كيف تمكنتما من تحقيق هذا الأمر؟

من الصعب الإجابة على هذا السؤال: كيف يمكن أن نشرح لأي كان عن أواصر التواصل الاجتماعي؟ كان علينا أن نحقق نوعاً من التوازن ما بين الصداقة، المتمثلة باللهو والاستمتاع، وعلاقة العمل. وبالنهاية ما فعلناه كان بكل بساطة أننا حاولنا أن نكون صادقين وشفافين كأن نشرح في بعض الأحيان أهمية بعض المشاهد بالنسبة لنا وما شابه. أي أننا أظهرنا لهم من نحن وهم قاموا بالمثل.

يتمتع كل من عزّت وبيان بموهبة فطرية. فهما منفتحان على فكرة تصويرهما ويتعاملان براحة ملفتة للنظر مع طاقم العمل دون أن يكون لديهما سعي للحصول على اهتمام الإعلام. إن الجمع بين هذه الصفات مفيد جداً.

استخدمتما كاميرا سينمائية للتصوير، الأمر الذي يحدّ من وقت التصوير نظراً لارتفاع تكلفته المادية مقارنة بكاميرا الفيديو العادية. لأي درجة استدعى ما ذكرناه أن تحضّرا مشاهد الفيلم بشكل مسبق وكم بلغ عدد المواد التي صورتماها؟

صورنا 99 علبة من فيلم 16 ملم خام. (ما يعادل 16 ساعة).

إن التصوير باستخدام الفيلم يتطلب طريقة عمل مختلفة عن تلك المتّبعة باستخدام كاميرة الفيديو. وهو أمر له بالتأكيد سيئاته من حيث ضياع بعض اللحظات الثمينة إلا أن محاسنه قد كانت أكثر بالفعل. فعلى المرء أن يتحلى بتركيز شديد عند التصوير وأن يعي تماماً ما يودّ تحقيقه من خلال المشهد. هذا الأمر جعلنا نفكر بكل لقطة، ونناقشها لأيام وأسابيع وأشهر (خاصة وأننا مخرجتان وبالتالي علينا التوافق على كافة الأمور)، كي لا نقوم بتصوير كل شيء من حولنا وينتهي بنا المطاف دون تصوير أية مواد صالحة للفيلم. إنّ تدفّق الأدرينالين الناجم عن تصوير فيلم مدته 10 دقائق من الدوران على بكرة الفيلم جعل طاقم التصوير وشخصيات الفيلم يعيشون اللحظة. الأمر الجيد بالنسبة للفيديو أنه يمنح عدداً أكبر من الأشخاص فرصة تحقيق الفيلم الذي طالموا حلموا بإنجازه، أما الجانب السيء فهو أنك كمخرج كثيراً ما تكون أقل حديّة في نقدك للعمل متوقعاً أنك ستسوّي الأمور في غرفة المونتاج. إن المخرج الجيد يعرف تماماً ما يريد، وقد أجبرنا تصوير الفيلم بكاميرا سينمائيّة على اتخاذ القرارات.

أما بالنسبة لتحضير المشاهد بشكل مسبق، فإن الاعتقاد السائد بأنه اثناء تصوير فيلم تسجيلي كل الأمور تحدث بمحض الصدفة أمام عيني المخرج هو مجرد أسطورة. يقوم كافة المخرجين بتحضير مشاهدهم إلى حد ما كما فعلنا نحن، وبالتالي فإن استخدام كاميرا الفيديو ما كان ليشكل فارقاً. وبمطلق الأحوال، فإن كل فكرة مشهد نبعت من الواقع الذي رأيناه أو سمعناه سواء خلال عمليات البحث أو التصوير. فعلى سبيل المثال، علمنا أن عزت قد اضطر لمحي الأحرف العبرية عن عبوة الشامبو إبّان ذهابه لدمشق، وهكذا قررنا أنه من المثير للاهتمام أن نبدأ بمشهد توضيبه للحقائب. ومن هذا المنطلق فإن استخدام كاميرة فيديو كان سيماثل ما فعلناه نحن. ربما ارتفعت حدّة الضغط خلال تصويرنا للمقابلات إذ توجب علينا التأكد من وصولنا إلى النقطة المطلوبة دون أن نحوم حول الموضوع فلم يكن لدينا وقت لنضيعه.

مشهد من فيلم إصرخ للمخرجتين سابين لوبه بيكر وإيستر غولدهل واجهتكما أيّة عوائق خلال إنجاز الفيلم؟

بالطبع، حدّثي ولا حرج! لقد كانت عملية طويلة للغاية وواجهتنا العديد من الإشكاليات. بعضها تقني والآخر يتعلق بنقص التمويل على الرغم من أن المخرجين التسجيليين في هولندا يعيشون في نعيم مقارنة بغيرهم. ناهيك عن الضغط الناجم عن ضيق الوقت. بالتأكيد لم نستطع التواجد في دمشق لمدة سنة كاملة، وهكذا فإن رصد الأحداث اليومية لشخصياتنا خلال الفترات القصيرة لزيارتنا كان أمراً بمنتهى الصعوبة.

فمثلاً عند وصول عزّت وبيان إلى دمشق قضينا 48 ساعة في بحث يائس عنهما، كان الوقت يمر ونحن نتسائل أين هما بحق السماء!! وفي المرة الثانية التي وصلنا فيها إلى دمشق كان جد عزّت قد توفي. من الواضح أن تلك اللحظة كانت في غاية الأهمية في حياة كل من عزّت وبيان. كانا قد وجدا للتو شقة ليعيشا فيها معاً وكانت الأمور قد تغيّرت. فكان من الصعب جداً أن نقرر كيفية توضيح ما حدث بعد مرور وقت على انقضاء لحظات هامة كهذه. لقد ساعدنا كثيراً أننا كنا محظوظين بما فيه الكفاية لنعمل مع فريق إعداد سوري. فلم نكن لننجز الفيلم بهذه الطريقة من دون جهد أعضائه. وعلى الرغم من محبتنا وتقديرنا البالغين للترحيب الذي حظينا به من قبل شخصيات فيلمنا، إلا أن العمل معهم لم يكن دائماً أمراً سهلاً بما أنهم لم يتوقوا لوجودنا معهم في كل الأوقات. إذ قضينا ساعات طويلة لإقناعهم بالسماح لنا بتصوير بعض المشاهد.

سيكون العرض الأول لفيلم أصرخفي سوريا، كيف تتوقعان أن يستقبله الجمهور؟

نحن طبعاً متحمستان جداً لأن عرضنا الأول سيكون في سورية! فهذا شرف لنا وسوريا هي أفضل مكان لعرض فيلمنا للمرة الأولى. نمتنى أن ينال فيلمنا إعجاب المشاهدين … باعتقادنا أن عرض الفيلم هنا هو أمر مثير للغاية نظراً لأن الجمهور السوري سيكون قادراً على فهم تفاصيل معينة من الفيلم ربما يعجز الجمهور الهولندي عن فهمها. فالمشاهد السوري هو حتماُ أكثر وعياً، إلى حد ما، للوضع في الجولان. ومن المحزن القول أن قلّة من الهولنديين يعرفون أي شيء عن الجولان أو حتى عن موقعه في الخارطة! لذا، فمن المؤكد أن تجربة عرضه هنا ستكون مختلفة. نتمنى أن نلفت الانتباه من خلال هذا الفيلم إلى المفارقة التي يعيشها طلاب الجولان المقيمين في دمشق لفترة قصيرة إنما مصيرية من حياتهم. فهم من ناحية يحصلون على “فرصة عمرهم”، لكن لأسباب عدة فإن مغامرتهم هذه ليست خالية من الهموم.

أين سيعرض فيلم إصرخأيضاً؟

سيتم العرض الأوروبي الأول للفيلم بهولندا في 28 آذار ضمن مهرجان Films That Matter في “هاغ”. بعدها سيعرض على التلفزيون الهولندي والقناة العربية الفضائية MBC التي أبدت اهتمامها بالفيلم. نحن أيضاً بصدد التقدم للمشاركة في مهرجانات مختلفة حول العالم، نأمل أن نجوب الكثير من الأماكن مع فيلمنا هذا!

هذه نسخة معدّلة عن المادة التي نشرت في”وجهة نظر”، النشرة الصادرة عن تظاهرة أيام سينما الواقع 2010.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s