الفن الحديث كأداة للتغيير الإجتماعي

الكثير من السوريين ينظرون للفن كعنصر رفاهية موجّه لنخبة من المجتمع السوري. إلا أن الفنان البلجيكي أريك فان هوف يقول أن دور الفن أكثر من ذلك بكثير.

 لقد استمعت الأسبوع الماضي لحديث فني فريد قدّمه مواطن عالمي بجدارة في غاليري الفن الآن في دمشق. فنان يحمل الجنسية البلجيكية و اسم أسرته هولندي، ولد في الجزائر، ترعرع في الكاميرون، و درس في بروكسل و طوكيو. يمكنك إذاً وصف الفنان أريك فان هوف بأي صفة شئت إلا كونه إنساناً عادياً.

أنا “مهتم بإخراج الفن الحديث ليس من المحيط المؤسساتي الذي تمثّله متاحف و غاليريات الفن الحديث فحسب (فهذا الشيء قد تم بالفعل منذ خمسينيات القرن الماضي)، بل من المحيط الغربي أيضاً.” و بذلك “أشكّك في حدود و جدارة الفن الحديث الأخلاقية كمؤسسة غربية لحظة إخراجها من محيطها الفني،” كتب فان هوف.

كذلك فإن أسلوب فان هوف الروائي في طرح أعماله لا يقل فرادة عن كل ما سبق ذكره. يشبّه فان هوف نفسه بالكاميشيباي الياباني، و هو راوي كان يقصّ مختلف الحكايا بالإعتماد على بطاقات الصور، ففان هوف روى بعض القصص عن أعماله خلال الحديث الفني الذي قدّمه في غاليري الفن الآن معتمداً في ذلك على صور من معارضه التي أقيمت في مختلف أنحاء العالم. لقد روى قصصاً مثيرة عن فضلات العصافير في السنغال، صراع الديكة في مدغشقر و الخزن المقفلة في اليابان. إلا أن أكثر قصصه تأثيراً كانت عن سوق خضرة بسيط في جزيرة أوكيناوا.

 ديدان، الحرب العالمية الثانية و الدستور الياباني

بعد العديد من الجولات حول العالم، حطّ فان هوف الرحال في”نورين”، وهو سوق خضرة في مدينة ناها الواقعة في جزيرة أوكيناوا. و كانت نتيجة هذه الزيارة عمل فني فريد يمزج بين الديدان و الدستور الياباني و طقوس الحرق. لفهم هذه “التشكيلة” الغريبة لا مفر من درس قصير في التاريخ.

كانت أوكيناوا مملكة مستقلّة قبل استيلاء اليابان عليها عام 1879، ولكن عندما استولت القوات الأمريكية بدورها على أوكيناوا خلال الحرب العالمية الثانية (1939-1945) حارب أهلها بشدة ليعودوا إلى “وطنهم” اليابان. و بالفعل، استعادت اليابان الجزيرة عام 1972. إلا أن سكان الجزيرة شعروا أن دستور اليابان، الذي كتبه محامون أمريكيون عندما كانت جزيرة أوكيناوا لا تزال تحت سيطرتهم، غير منصف بحقهم. حيث وجدوا في اختلاف القوانين التي تحكم اليابان عن تلك التي تحكم أوكيناوا تمييزاً و عنصرية اتجاههم هم الذين فقدوا العديد من القتلى خلال نضالهم للعودة إلى اليابان.

أراد فان هوف معالجة هذا الشعور بالظلم إضافة إلى الفقر الشديد الذي يثقل كاهل البائعين في سوق نورين في عمله الفني. اعتاد الباعة، وأغلبهم من النساء العجزة و الأرامل، حرق الخضراوات الفائضة التي عجزوا عن بيعها خلال النهار. فصنع فان هوف، في محاولة منه لاستثمار هذه المخلفات البيولوجية، صندوقاً و ملأه بالتراب و الديدان القادرة على إعادة تدوير هذه الخضراوات و تحويلها إلى سماد طبيعي يبعنه النساء بدورهن للمزارعين و يحققن بذلك بعض الأرباح.

الديدان تمضغ الدستور البغيض

لكن ما علاقة كل ذلك بأمريكا و الحرب العالمية الثانية و الدستور الياباني؟

 لقد استخدم فان هوف صندوق الديدان ذاته لتنظيم طقس حرق رمزي لدستور اليابان. حيث أطعم الديدان نسخاً من الدستور الياباني و بثّ على الراديو المحلي و على الهواء مباشرة صوت مضغ الديدان للدستور الإشكالي الشبيه بصوت طقطقة النار. البائعات كن فقيرات و لم يمتلكن تلفازاً إلا أن كل واحدة منهن امتلكت راديو و بذلك استمتعن بسماع صوت الديدان و هي تمضغ الدستور البغيض،” قال فان هوف أثناء حديثه الفني.  بل إن بعض السكان قاموا بكتابة التجارب السيئة التي عاشوها على أوراق و رموها في الصندوق ثم عانقوا أجهزة الراديو الصغيرة و استمتعوا بالاستماع إلى الديدان و هي تهضم آلامهم إلى أن تتلاشى نهائياً.

لقراءة المزيد عن أعمال أريك فان هوف يمكنك زيارة موقعه الإلكتروني

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s